[تنبيهان!]
الأول: ما تقدم من أن "الكفاف" لا يكون في الدماء والحدود، معناه: أنه لا يقتل ولا يحد قريب القاتل، أو يقطع ونحو ذلك، ولا يقتل أو يقطع أيضا من يقدر على الإنتصاف منه. [10/ب]
وأما إذا أراد الحاكم ونحوه أن يأخذ القريب المذكور، أو من قدر على الانتصاف منه، بمال يدفعه لأولياء المقتول أو المقطوع مثلا برضاهما، لأنه في الوقت غاية المقدور، ولو أخر ذلك لوقت آخر لضاع ذلك وتعذر الإنتصاف، فلا إشكال في الجواز، لأن الحدود حينئذ برضي أولياء المقتول والمقطوع رجعت مالا، فكأن القاتل المذكور والقاطع تعصب لأولياء المقطوع على مال، فيؤخذ المال من قريبه أو ممن يقدر على الانتصاف منه ارتكتابا لأخف الضررين- كما مر-. PageV01P139
ولا يقال: (القودعين) 1 على مذهب "ابن القاسم".
لأنا نقول: (القودعين، إذا مكن القاتل والقاطع من نفسه، وقال: اقتلوني واقطعوني، ولا أدفع دية).
وأين التمكين في صورتنا؟ بل هو ممتنع بنفسه غير منقاد لما يجب عليه من القود، فكان الخيار للأولياء، وهذا في مسألة: سد الذريعة، التي هي القسم الثاني 2 من الأقسام الثلاثة.
وأما مسألة القسم الثالث التي هي: مسألة التعصب والحمية ولو بالجاه، فإن المتعصب والمباشر سواء في القتل والقطع- (كما مر) -3.
الثاني: إذا طلب مريد الكفاف من المؤاخذ بالملد 4 (أ) 5 والغاصب ونحوهما، ضامنا بوجهه حتى يثبت حقه على الملد والغاصب، فلا إشكال أنه يجاب أيضا، وكذا لو طلب ضامنا إلى أن يأتي الملد أو الغاصب فيقر أو ينكر، لأن الغرض أن المؤاخذ به يقدر على الانتصاف منه، كما هي عادة القبائل، فإذا لم يأت به ليقر أو ينكر أخذ الحق منه، لأن الملد أو الغاصب ينزلان حينئذ منزلة من امتنع من الجواب وإقرار أو إنكار، فيؤخذ الحق من هذا الذي يقدر على الانتصاف منه إرتكتابا لأخف الضررين، أو يؤخذ الحق من قريبه الذي ينكف 6 الظالم عن ظلمه بمؤاخذته. [11/أ]
وانظر لو أتى المؤاخذ به بإثبات إنكاره، وعجز مريد الكفاف عن إثبات حقه على الملد، وطلب أن تكون يمينه بمحضره في البلد التي تنالها الأحكام. PageV01P140
والظاهر: أن 1 يسجن المؤاخذ به حتى يغرم المال، أو يأتي بالظالم ليحلف للطالب، لأن "سد الذريعة" شامل لذلك كله، وسيأتي في الفصل السادس: أن الظالم أحق بالحمل عليه.
وهذا: إذا ثبت أن المؤاخذ المذكور قريب للظالم، أو هو ممن يقدر على الانتصاف منه، أو علم ذلك بالقرائن القطعية، وإلا فلا يؤاخذ به.
وهذا كله- أيضا- في مسألة: القسم الثاني لا في القسم الثالث، لأنه متسبب ولو بجاهه- كما مر-، فهذا 2 ضامن كالمباشر إذ لا ذريعة في هذا القسم- كما مر-.
ولا شك: أن غير المباشر فيه يؤاخذ 3 بذنب المباشر وبالضامن وبغيره، مما ينجز 4 إليه الأمر- كما تقدم- ولا تنفعه الوثيقة التي يكتبها بالتبرىء منهم، وعدم مخالطهم، وعدم إيوائهم إليه، لأنه مأمور بهجرانهم وبالخروج من بينهم- كما مر-.
اللهم: إلا إذا كان الفساد في أفراد مخصوصين معروفين بأعيانهم، يفعلون المعاصي والمناكر، ويفرون لرؤوس الجبال، ولا يأوون إلى قرابتهم وقبيلتهم، وهم مجتهدون في تحصيلهم، وشهد لهم بذلك الثقات من الناس، فلا يؤاخذون بهم حينئذ.
وهذا نادر في قبائل الزمان، والغالب منهم خلاف ذلك، والحمل على الغالب مشروع واجب، ولهذا إذا زعم رؤساء هؤلاء القبائل، ومن له أدنى رأي منهم: أنهم لا يتعصبون على فسادهم وأهل المناكر منهم، وأنهم لا يأوون إليهم، ولا يجالسونهم، ولا يحمونهم، فإنهم لا يصدقون، لأن ذلك خلاف غالب عوائدهم "والأحكام تدور مع الغالب وجودا وعدما" فيؤاخذون حينئذ بفسادهم، ويضمنون ما أتلفوه، والله أعلم. [11/ب] PageV01P141