[نيل الأوطار]
أي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد صرح به في رواية شعبة قوله: (هذه رحمة) أي الدمعة أثر رحمة وفيه دليل على جواز ذلك، وإنما المنهي عنه الجزع وعدم الصبر. قوله: «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» الرحماء: جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت عند أبي داود. وغيره من حديث عبد الله بن عمرو «الراحمون يرحمهم الرحمن» والراحمون جمع راحم فيدخل فيه من فيه أدنى رحمة
و " من " في قوله " من عباده " بيانية، وهي حال من المفعول قدمت ليكون أوقع
حديث عائشة وابن عمر أشار إليها الحافظ في التلخيص وسكت عنهما، ورجال إسناد حديث ابن عمر ثقات إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه يقال وقد أخرج له مسلم وحديث جابر بن عتيك أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم.
قوله: (وأبو بكر وعمر) . . . إلخ، محل الحجة من هذا الحديث تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما مع
<span class="matn">. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[نيل الأوطار]
أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد دمع العين، ولهذا فرقت عائشة وهي في حجرتها بين بكاء أبي بكر وعمر، ولعل الواقع منهما مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه، ولم يبلغ إلى الحد المنهي عنه.
قوله: (ولكن حمزة لا بواكي له) هذه المقالة منه - صلى الله عليه وسلم - مع عدم إنكاره للبكاء الواقع من نساء عبد الأشهل هلكاهن يدل على جواز مجرد البكاء وقوله: «ولا يبكين على هالك بعد اليوم» ظاهره المنع من مطلق البكاء، وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك: " فإذا وجب فلا تبكين باكية " وذلك يعارض ما في الأحاديث المذكورة في الباب من الإذن بمطلق البكاء بعد الموت، ويعارض أيضا سائر الأحاديث الواردة في الإذن بمطلق البكاء مما لم يذكره المصنف كحديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون عند أبي داود والترمذي.
وحديث أبي هريرة عند النسائي وابن ماجه وابن حبان بلفظ: «مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنازة فانتهرهن عمر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: دعهن يا ابن الخطاب فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب»
وحديث بريدة عند مسلم في زيارته - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه وسيأتي وحديث أنس عند الشيخين: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذرفت عيناه لما جعل ابنه إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه، فقيل له في ذلك، فقال: إنها رحمة، ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.» وهو عند الترمذي من حديث جابر بلفظ: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعه في حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أولم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب، ورنة شيطان» الحديث قال الترمذي: حسن فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء مطلقا ومقيدا ببعد الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز من النوح والصراخ وغير ذلك، والإذن به على مجرد البكاء الذي هو دمع العين وما لا يمكن دفعه من الصوت.