الفصل الثاني في بيان اتفاق الشرائع على إثبات المعاد
اعلم أنه قد سبق لي تأليف رسالة في هذا سميتها المقالة الفاخرة في بيان اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة ولما كان هذا هو أحد المقاصد الثلاثة التي جمعت لها هذا المختصر فإن ذكر بعض ما في كتب الله عز وجل مما يتعلق به لازما
ففي التوراة في أولها عند الكلام على ابتداء الخليقة التصريح باسم الجنة ولفظه فغرس الله جنانا في عدن شرقيا وابقا ثم آدم الذي خلق وأنبت الله ثم كل شجرة حسن منظرها وطيب مأكلها وشجرة الحياة في وسط الجنان وشجرة معرفة الخير والشر وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنان ومن ثم يتفرق ويصير أربعة رؤوس اسم أحدهما النيل وهو المحيط بجميع بلد زويلة الذي ثم الذهب وذهب ذلك البلد جيد ثم اللؤلؤ وحجارة البنور واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع بلد الحبشة واسم النهر الثالث الدجلة وهو السائر في شرقي الموصل والنهر الرابع هو الفرات انتهى
وكما وقع التصريح في التوراة بالجنة كما ذكرنا فقد وقع التصريح فيها باسم النار ولفظها في التوراة شول واشي قال علماء اليهود ومعنى اللفظين جهنم وفي موضع آخر في التوراة ما لفظه وإن الله خلق خلقا وتفتح الأرض فاها فينزلون إلى الثرى هؤلاء القوم الذين عصوا الله وقال أحجب رحمتي عنهم وأريهم عاقبتهم وكما أنهم
كادوني بغير إله وأغضبوني بغروراتهم كذلك إني أكيدهم لأن النار تتقدح من غضبي وتتوقد إلى أسفال الثرى فتأكل الأرض ونباتها حتى تستطلع أساسات الجبال كذلك أزيد عليهم شرورا وسهامي أفرقها فيهم انتهى
وفي الفصل الثاني عشر من السفر الثالث من التوراة ما لفظه واحفظوا رسومي وأحكامي فإن جزاء من عمل بها أن يحيا الحياة الدائمة انتهى ولا حياة دائمة في الدنيا بل في الآخرة وفي التوراة من النصوص على هذا المعنى كثير وفي الفصل السادس والعشرين من كتاب النبي أشعيا ما لفظه يقوم الموات ويستيقظ الذين في القبور انتهى وفي كتابه أيضا ما لفظه مزكى الظالم لأجل الرشا وزكاة الزكى يزيلونها عنه لذلك كما تأكل القش لسان النار والهشيم ما يخليه اللهيب غدا حرهم يكون كالبرق وفروعهم تصعد كالغبار وإن زهدوا في توراة رب الجيوش وقول قدوس العالم به إن الهاوية موعودة من أمس وهي أيضا أصلحت للملوك عمقها فأوسعها نارا وحطبا كثيرا وأمر الله كواد من كبريت مشتعل فيها وقال ويحرقون ينظرون إلى أجسام القوم الذين كفروا بي إن دودهم لا تموت ونارهم لا تطفىء فيصيرون عبرة لباقي البشريين انتهى وقال أيضا في كتابه المذكور في حقيقة تلذذ أهل الجنة لا عين تقدر تراه إلا علم الله تعالى انتهى
وفي الفصل الثاني عشر من كتاب دانيال ما لفظه وكثير من الهاجعين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء لحياة أبدية وهؤلاء لتعيير وخزي أبدي انتهى
وفي زبور النبي داود عليه السلام في المزمور السادس منه ما لفظه وأنت يا رب فحتى متى عد يا رب ونج نفسي وخلصني من أجل رحمتك لأنه ليس في الموتى من ينكرك ولا في الجحيم من يعترف
لك انتهى وفي المزمور التاسع منه ما لفظه انتشبت الأمم في الفساد الذي عملوه وفي الفخ الذي أخفوه تعلقت أرجلهم يعرف الرب أنه صانع الأحكام والخاطئ بعمل يديه يؤخذ يرفع الخطاة إلى الجحيم انتهى وفي المزمور الخامس عشر منه فرح قلبي وتهلل لساني وجسدي أيضا يسكن على الرجاء لأنك لا تترك نفسي في الجحيم ولا تدع ضيفك أن يرى فسادا انتهى وفي المزمور الرابع والخمسين ما لفظه ليأت الموت عليهم ولينحدروا إلى الجحيم أحياء لأن الشرور في مساكنهم وفي وسطهم انتهى وفي المزمور السابع والثمانين ما لفظه يا رب لأن نفسي قد امتلأت شرورا وحياتي إلى الجحيم دنت حسبت مع المنحدرين في الجب صرت كإنسان فاقد المعونة بين الأموات جرى كالمجرمين الراقدين في القبور الذي يذكرهم أيضا وهم أقصوا من يدك وضعوني في جب أسف السافلين في ظلمات وظلال الموت انتهى