وكذلك لا ينافي هذا ما حكوه مذهبا سادسا، من كون الجملة الثانية إن كانت إعراضا وإضرابا عن الأولى اختص بالأخيرة لأن الإعراض والإضراب مانع من الرجوع إلى الجميع، وقد أطال أهل الأصول الكلام في هذه المسألة وساقوا من أدلة المذاهب ما لا طائل تحته فإن بعضها احتجاج بقصة خاصة في الكتاب أو السنة قد قام الدليل على اختصاصها بما اختصت به، وبعضها يستلزم القياس في اللغة وهو ممنوع.
المسألة الحادية عشرة: حكم الوصف الوارد بعد المستثنى
إذا وقع بعد المستثنى والمستثنى منه جملة تصلح أن تكون صفة لكل واحد منهما، فعند الشافعية أن تلك الجملة ترجع إلى المستثنى منه، وعند الحنفية إلى المستثنى فإذا قال: عندي له ألف درهم إلا مائة، قضيت ذلك فعند الشافعية أنه يكون هذا الوصف راجعا إلى المستثنى منه فيكون مقرا بتسعمائة مدعيا لقضائها فإن برهن على دعواه فذلك وإلا فعليه ما أقر به، وعند الحنفية يرجع الوصف إلى المستثنى فيكون مقرا بألف مدعيا لقضاء مائة منه.
وهكذا إذا جاء بعد الجمل ضمير يصلح لكل واحدة منها، نحو: أكرم بني هاشم، وأكرم بني المطلب وجالسهم.
أما إذا كان الضمير أو الوصف لا يصلح إلا لبعض الجمل دون بعض، كان للتي يصلح لها دون غيرها: نحو: أكرم القوم، وأكرم زيدا العالم، وأكرم القوم، وأكرم زيدا وعظمه.
المسألة الثانية عشرة: التخصيص بالشرط
مدخل
...
المسألة الثانية عشرة: التخصيص بالشرط
وحقيقته في اللغة العلامة، كذا قيل.
واعترض عليه: بما في "الصحاح"1 وغيره من كتب اللغة، بأن الذي بمعنى العلامة هو الشرط بالتحريك، وجمعه أشراط، ومنه أشراط الساعة، أي: علاماتها.
وأما الشرط، بالسكون: فجمعه شروط، هذا جمع الكثرة فيه، ويقال في جمع القلة منه أشرط كفلوس وأفلس.
وأما حقيقته في الاصطلاح: فقال الغزالي: الشرط ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده.
واعترض عليه: بأنه يستلزم الدور؛ لأنه عرف الشرط بالمشروط، وهو مشتق منه فيتوقف "تعقله"* على تعلقه، وبأنه غير مطرد لأن جزء السبب كذلك، فإنه لا يوجد المسبب بدونه، ولا يلزم أن يوجد عنده وليس بشرط.
وأجيب عن الأول: بأن ذلك بمثابة قولنا: شرط الشيء ما لا يوجد ذلك الشيء بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك.
وعن الثاني: بأن جزء السبب قد يوجب المسبب بدونه إذا وجد سبب آخر.
وقال في "المحصول": إن الشرط هو الذي يتوقف عليه المؤثر في تأثيره، لا في ذاته.
وقال: ولا ترد عليه العلة، لأنها نفس المؤثر، والشيء لا يتوقف على نفسه، ولا جزء العلة، PageV01P375
ولا شرط العلة؛ لأن العلة تتوقف عليه في ذاتها. انتهى.
واعترض عليه: بأنه غير منعكس؛ لأن الحياة شرط في العلم القديم، ولا يتصور ههنا تأثير ومؤثر "إذا"* إذ المحوج إلى المؤثر هو الحدوث. وقيل: الشرط ما يستلزم نفيه نفي أمر آخر، لا على جهة السببية، فيخرج السبب وجزؤه.
ورد بأن الفرق بين السبب والشرط يتوقف على فهم المعنى المميز بينهما، ففيه تعريف الشيء بمثله في الخفاء.
وقيل: هو ما استلزم عدمه عدم أمر مغاير، وهو كالذي قبله.
وأحسن ما قيل في حده: أنه ما يتوقف عليه الوجود، ولا دخل له في التأثير والإفضاء، فيخرج جزء السبب؛ لأنه وإن توقف عليه السبب، لكن له دخل في الإفضاء إليه ويخرج سبب الشيء بالنسبة إليه بالطريق الأولى، وتخرج العلة لأنها وإن توقف عليها الوجود فهي مع ذلك مؤثرة. PageV01P376