وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم:1] الآية" وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ماذكر وفي هذه المسألة نحو ثمانية عشر مذهبا والحق ما ذكرناه وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم وهذا إذا أراد تحريم العين وأما إذا أراد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات.
وأما كون الرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه إلخ فلحديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة:228] الآية قال: "وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك {الطلاق مرتان} [البقرة:229] وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال: وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال الرجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا قالت: وكيف ذلك قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرها فسكتت حتى جاء النبي فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229] قالت: عائشة فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق" وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي والطبراني عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد".
وأما كونها لا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره فلقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة:230] ولما في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظي: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وهو مجمع على ذلك.