وأما كون الأصل في التطهير هو الماء فقد وصف بذلك الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد بل قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشاد يشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول فإذا ثبت الشارع أن تطهير شيء من المتنجسات يكون بغير الماء كمسح النعل بالأرض ونحو ذلك كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها ويتعين فيما عداها وهذا هو الحق وقد ذهب بعض الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر وإليه ذهب الداعي من أهل البيت ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون إن الماء يتعين في مثل ذلك ويرد على أبي حنيفة ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع.
باب قضاء الحاجة
على المتخلي الاستتار حتى يدنو من الأرض والبعد أو دخول الكنيف وترك الكلام والملابسة لما له حرمة وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع أو عرف وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها ويندب الاستعاذة عند الشروع والاستغفار والحمد بعد الفراغ.
أقول أما مشروعية الاستتار حتى يدنو من الأرض عند قضاء الحاجة فلما ورد من الأدلة على وجوب ستر العورة عموما وخصوصا إلا عند الضرورة ومنها قضاء الحاجة فلا يكشف عورته إلا عند القعود.
وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي ومن حديث أبي هريرة بلفظ "من أتي الغائط فليستتر".
وأما البعد فلما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث جابر قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى" ولفظ أبي داود "كان إذا أراد البراز انطلق حتى لايراه أحد" ورجاله رجال الصحيح إلاإسماعيل بن عبد الملك الكوفي ففيه مقال يسير وأما إذا أراد أن يقضي الحاجة في البيان وهناك كنيف فليس عليه إلا أن يدخله وإن قرب من الناس لما سيأتي من حديث ابن عمر.
وأما ترك الكلام فلحديث: "لايخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك" أخرجه أحمد أبو داود وابن ماجه
من حديث أبي سعيد وأخرج نحوه ابن السكن وصححه من حديث جابر.
وأما ترك الملابسة لما له حرمة فلحديث أنس عند أهل السنن وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه". لم يأت فيه من ضعفه بما تقوم به الحجة1 في التضعيف.
وأما تجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع أو عرف فقد ورد في ذلك أحاديث منها حديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأبي داود قال: "اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان يارسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم".
ومن حديث معاذ بن جبل عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وابن السكن وصححاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" وقد أعل بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ ولم يسمع منه وفي الباب أحاديث فيها مقال.
ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها الجحر لحديث عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الحجر أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي وقد أعل أنه من رواية قتادة