فصل في ذكر مبطلات الصوم
يبطل بالأكل والشرب والجماع والقئ عمدا ويحرم الوصال وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار ويندب تعجيل الفطر وتأخير السحور.
أقول: أما بطلان الصوم بالأكل والشرب عمدا فلا خلاف في ذلك وأما مع نسيان فلا لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صيومه فالله أطعمه وسقاه" وفي لفظ الدارقطني بإسناد صحيح "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم "من أفطر
يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وإسناده صحيح أيضا وهكذا بالإجماع لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامد وأما إذا وقع مع النسيان فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا وتمسك بقوله: في الرواية الأخرى "ومن أفطر يوما في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وبعضهم منع من الإلحاق وأما القئ العمد فلحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القئ فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وقد حكى ابن المنذر الأجماع على أن تعمد القئ يفسد الصيام وفيه نظر فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم قالوا إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو مستخرجا مالم يرجع منه شيء باختياره واستدلوا بحديث "ثلاث لا يفطرن القئ والحجامة والإحتلام" أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وعلى فرض صلاحيته للإستدلال فلا يعارض حديث أبي هريرة لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد.
وأما كونه يحرم الوصال فلنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة وهو في الصحيحين وغيرهما وفي الباب أحاديث.
وأما وجوب الكفارة على من أفطر عمدا فلحديث المجامع في رمضان فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال: فهل تسطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال: لا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال: تصدق بهذا قال: فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: اذهب فأطعمه أهلك" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة وقد قيل إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب بل الجماع فقط ولكن الرجل إنما جامع امرأته فليس في الجماع في نهار رمضان إلا ما في الأكل والشرب لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم وقد وقع
في رواية من هذا الحديث أن الرجل أفطر ولم يذكر.
الجماع وأما كونه يندب تعجيل الفطر وتأخير السحور فلحديث سهل بن سعد "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وهو في الصحيحين وغيرهما وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال أمتى بخير ماأخروا السحور وعجلوا الفطر" أخرجه أحمد في إسناده سليمان بن أبي عثمان قال: أبو حاتم مجهول وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت "إنه كان بين تسحره صلى الله عليه وسلم ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" وفي الباب أحاديث كثيرة