وأما المبادرة بقضاء الدين فلحديث امتناعة صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة والحديث معروف وحديث "نفس المسلم معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
وأما تسجية الميت فلما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرد الحبرة وهو في الصحيحين من حديث عائشة وذلك لا يكون إلا لجري العادة بذلك في حياته صلى الله عليه وسلم.
وأما جواز تقبيله فلتقبيله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون وهو ميت كما في حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وفي الصحيح من حديثها وحديث ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند موته".
وأما كون على المريض أن يحسن الظن بربه فالأحاديث في ذلك كثيرة ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت إلا وهو يحسن الظن بربه تعالى1 وحديث المريض الذي زاره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف تجدك"؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال: ما اجتمعا في قلب امرئ في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة2" أو كما قال: وأما التوبة فالآيات القرانية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع المقام لبسطها وفي الصحيحين "إن الله تعالى يفرح بتوبة عبده وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق". PageV01P132
وأما التخلص عن كل ما عليه فوجوب ذلك معلوم وإذا أمكن بإرجاع كل شيء لمن هو له من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو واجب وإن لم يكن في الحال فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب وقد ورد الأمر بالوصية وإنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا وصيته عند رأسه1 كما في الأحاديث الصحيحة. PageV01P133
فصل غسل الميت
ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه وأحد الزوجين بالآخر ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر وفي الآخرة كافور وتقدم الميامن ولا يغسل الشهيد.
أقول: أما وجوب غسل الميت على الأحياء فهو مجمع عليه كما حكى ذلك المهدي في البحر والنووي ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل والترغيب فيه كالأمر منه صلى الله عليه وسلم بغسل الذي وقصته ناقته وبغسل ابنته زينب وهما في الصحيح.
وأما كون القريب أولى بغسل قربيه فلحديث "ليلة أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة" أخرجه أحمد والطبراني وفي إسناده جابر الجعفي والحديث وإن كان لايصلح للاحتجاج به ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة توجب كمال العناية ولا شك أنها وجه مرجح مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل.
وأما كون أحد الزوجين أولى بالآخر فلقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "ماضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفتنك ثم صليت عليك ودفنتك" أخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحاق ولم ينفرد به فقد تابعه عليه صالح بن كيسان وأصل الحديث في البخاري بلفظ "ذاك لو كان وأنا حى فأستغفر لك وأدعو لك" وقالت: عائشة رضي الله عنها "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وقد غسلت الصديق زوجته أسماء كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه وغسل علي فاطمة رضي الله عنها كما رواه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.