كتاب الأيمان
الحلف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له يحرم بغير ذلك ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو الخير وليكفر عن يمينه ومن أكره على اليمين فهي غير لازمة ولايأثم بالحنث فيها واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها ولا مؤاخذة باللغو ومن حق المسلم على المسلم إبراء قسمه وكفارة اليمين هي ماذكره الله في كتابه العزيز.
أقول: أما الحلف باسم الله عزوجل فظاهر وأما بصفة له فلحلفه صلى الله عليه وسلم بمقلب القلوب كما في حديث ابن عمر في صحيح بخاري وغيره قال: كان أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: "لا ومقلب القلوب" وفي الصحيحين من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخلقيا للإمارة" وهكذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الحلف بقوله: "والذي نفسي بيده" وهو في الصحيح وحكى النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل أنه قال: "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها" يعني الجنة وهو في الصحيح أيضا والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما كون الحلف بغير اسم الله تعالى وصفاته حراما فلحديث ابن عمر عند مسلم رحمه الله وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو ليصمت" وفي لفظ: "من كان حالفا فلا يحلف إلابالله" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن حبان والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر" وفي لفظ: "فقد أشرك" وهو عند أحمد من هذا الوجه وفي لفظ للترمذي والحاكم: "فقد كفر وأشرك" وفي الباب أحاديث.
وأما كون من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى فلحديث أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وابن حبان ولفظ ابن ماجه "فله ثنياه" ولفظ النسائي "فقد استثنى" وأخرجه الحاكم وقد صححه ابن حبان وأخرج أبو داود عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم" قال: أبو داود قد أسنده غير واحد عن ابن عباس وقد رواه البيهقي موصلا ومرسلا ويؤيد أحاديث الباب ما في الصحيح أن سليمان ابن داود قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" الحديث وفيه "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قال إن شاء الله لم يحنث" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى ابن العربي الإجماع على ذلك فقال: أحمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان من ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له قلت وعلى هذا أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين فلا حنث عليه.
وأما كون من خلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه فقد ثبت في الصحبحين وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك" وفي لفظ "كفر عن يمينك وات الذى هو خير" وفي لفظ للنسائي وأبي داود "فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير" وأخرج مسلم وغيره من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي الباب أحاديث.