كتاب الهدايا
يشرع فبولها ومكافأة عليها وتجوز بين المسلم والكافر ويحرم الرجوع فيها وتجب التسوية بين الأولاد والرد لغير مانع شرعي مكروه.
أقول: أما كونه يشرع قبولها فلحديث أبي هريرة عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى كراع أو ذارع لأجبت ولو أهدي إلى كراع أو ذارع لقبلت" وأخرج أحمد والترمذي وصححه نحوه من حديث أنس وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية قالت: "قلت يا رسول الله تكره رد اللطف قال: "ما أقبحه لو أهدي إلي كراع لقبلته" وأخرج أحمد برجال الصحيح من حديث خالد بن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها" والأحاديث في قبوله الهدية والمكافأة عليها كثيرة وذلك معلوم منه صلى الله عليه وسلم.
وأما كونها تجوز بين المسلم والكافر فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدايا الكفار ويهدي لهم كما أخرجه أحمد والترمذي والبزار من حديث علي قال: "أهدى كسرى لرسول الله فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل وأهدت له الملوك فقبل منها" وأخرج أبو داود من حديث بلال أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم عظم فدك" وفي الصحيحين من حديث أنس أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة سندس" وأخرج أبو داود من حديثه أن ملك الروم أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مشتقة سندس فلبسها" وفيهما أيضا من حديث علي رضي الله عنه أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: " شققه خمرا بين الفواطم" وأخرج البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتنى أمي راغبة في عهد قريش وهي مشركة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصلها؟
قال: "نعم" قال: ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} [الممتحنة:8] وقد أخرج أحمد والطبراني من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشى حلة وأوقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة فإن ردت إلي فهي لك" وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وثقه بن معين وغيره وضعفه جماعة والأحاديث في قبوله صلى الله عليه وسلم لهدايا الكفار كثيرة جدا.
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححاه من حديث عياض بن حماد أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم هدية أو ناقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسلمت قال: لا قال: إني نهيت عن زبد المشركين" وأخرج موسى بن عقبة في المغازي عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك أن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأهدى له فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" قال: في الفتح ورجاله ثقات إلا أنه مرسل وقال: الخطابي يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا وقيل إنما رد ذلك إليهم لقصد الإغاظة أو لئلا يميل إليهم ولا يجوز الميل إلى المشركين1، وأما قبوله لهدية من تقدم ذكره فهي لكونهم قد صاروا من أهل الكتاب وقيل إن الرد في حق من يريد بهديته التوود والمولاة والقبول في حق من يرجى لك تأنيسه وتأليفه ويمكن أن يكون النهي لمجرد الكراهة التي لا تنافي الحواز جمعا بين الأدلة وزبد المشركين هم بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال مهملة قال: في الفاتح هو الرفد انتهي.