وأما كونها تعتق بموت سيدها الذي أستولدها فلقوله في الحديث المتقدم: "فهي معتقة عن دبر منه" أي من دبرحياته.
وأما كونها تعتق بتخير مستولدها لعتقها فلأن إيقاعه يوجب عتق من لم يوجد لعتقه سبب فمن قد وجد سبب عتقه أولى بذلك ولا سيما بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "أعتقها ولدها" فإنه يدل على أنه قد وقع العتق بالولادة ولكن بقي للسيد حق يوجب عليها بعض ما يجب على المملوك حتى يموت فإذا تخير العتق فقد رضي بإسقاط ذلك الحق.
كتاب الوقف
من حبس ملكه في سبيل الله صار محبسا وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة وللمتولى عليه أن يأكل بالمعروف منه وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين ومن وقف شيئا مضارة لوارثه فهو باطل ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين ومن ذلك ما يوضع في الكعبة وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والوقف على القبور لرفع سمكها أو تزيينها أو فعل ما يجلب على من يراها الفتنة باطل.
أقول: قد ذهب إلى مشروعيته الوقف ولزومه جمهور العلماء قال: الترمذي لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين وجاء عن شريح أنه أنكره وقال: أبو حنيفة لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر وقد حكى الطحاوى عن أبي يوسف أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة يعني الدليل لقاء به وقال: القرطبي راد الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه ومما يدل على صحته ولزومه حديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له" وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن عمر أصاب أرضا بخبير فقال: يارسول الله أصبت أرضا بخبير لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول وأخرج النسائي والترمذي وحسنه البخاري تعليقا من حديث عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس فيها ماء مستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين
بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالى" وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أما خالد فقد حبس أدراعه واعتده في سبيل الله".
وأما كون له أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة فلقوله: لعمر في الحديث السابق "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فإطلاق الصدقة يشعر بأن للواقف أن يتصدق بها كيف شاء فيما فيه قربة وقد فعل عمر رضي الله عنه ذلك فتصدق بها على الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل كما تقدم.
وأما كون للمتولي أن يأكل منه فلما تقدم من وقف عمر رضي الله عنه الذي قرره النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه للواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين فلما تقدم من حديث عثمان رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: "فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين".
وأما كون من وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا فلأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه بل لم يأذن إلا بما كان بصدقة جارية ينتفع بها صاحبها لا بما كان إثما جاريا وعقابا مستمرا وقد نهى سبحانه وتعالى عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا ونهى رسول الله صلى عموما كحديث "لاضرر ولاضرار في الإسلام" وقد تقدم وخصوصا كما في ضرار الجار وضرار الوصية ونحوهما.