ذهب إلى ذلك عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق والأوزعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وروى عن مالك.
وأما كونه يجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر فلحديث زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة "إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت: عائشة مالك في رسول الله أسوة حسنه" وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: "يارسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه حتى يدخل عليك" أخرجه مسلم وغيره وقد أخرجه مسلم وغيره وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة وقد روى هذا الحديث من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة ورواه من التابعين جماعة كثيرة ثم رواه عنهم الجمع الجم وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عيينة وداود الظاهري وابن حزم وهو الحق وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.
باب الحضانة
...
باب ماجاء في الحضانة
الأولى بالطفل أمه مالم تنكح ثم الخالة ثم الأب ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيهم صلاحا وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه فإن لم يوجد أكفله من كان له في كفالته مصلحة.
أقول: أما الأم فلحديث عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يارسول الله إن ابني هذا كانت بطني له وعاء وحجري له حواء وثديى له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: "أنت أحق به مالم تنكحي" أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى من الأب وحكى ابن المنذر الاجماع على أن حقها يبطل بالنكاح وقد روى عن عثمان أنه لا يبطل بالنكاح وإليه ذهب الحسن البصري وابن حزم واحتجوا ببقاء ابن أم سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم ويجاب عن ذلك بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يحتج به لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها واحتجوا أيضا بما سيأتي في حديث ابنة حمزة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن الحق لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقد قال: الخالة بمنزلة الأم ويجاب عن هذا بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم ويمكن أن يقال: إن هذا يكون دليلا على ماذهبت إليه الحنفية والهادوية من أن النكاح إذا كان بمن هو رحم للصغير فلا يبطل به الحق ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله: صلى الله عليه وسلم: "مالم تنكحي".
وأما كون الخالة أولى بعد الأم ممن عداها فلحديث البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي:
أنا أحق بها هي ابنة عمي وقال: جعفر بنت عمي وخالتها تحتى وقال: زيد ابنة أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" والمراد بقول زيد ابنة أخي أن حمزة قد كان النبي صلى الله عليه وسلم آخي بينهما ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه قد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن الخالة أقدم من غيرها من غير فرق بين الأب وغيره وقد قيل إن الأب أقدم منها إجماعا وليس ذلك بصحيح والخلاف معروف والحديث يحج من خالفه.
وأما إثبات حق الأب في الحضانة فهو وإن لم يرد دليل يخصه لكنه قد استفيد من قوله: صلى الله عليه وسلم للأم "أنت أحق به مالم تنكحي" فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم ومن بمنزلتها وهي الخالة وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة.