المجلد الأول
كتاب الطهارة
باب في أحكام المياه
اقسام المياه
...
باب في أحكام المياه
والماء طاهر مطهر لا يخرجه عن الوصفين إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة ولا فرق بين قليل وكثير وما فوق القلتين وما دونهما ومتحرك ساكن ومستعمل وغير مستعمل.
هذا الباب قد اشتمل على مسائل.
الأولى: كون الماء طاهرا مطهرا ولا خلاف في ذلك وقد نطق بذلك الكتاب والسنة وكما دل الدليل على كونه طاهرا مطهرا وقام على ذلك الإجماع كذلك يدل على ذلك الأصل والظاهر والبراءة فإن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع وكذلك الظهور يفيد ذلك والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة.
قوله: لا يخرجه عن الوصفين. أي عن وصف كونه طاهرا وعن وصف كونه مطهرا.
قوله: إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه1 من النجاسات. هذه المسألة الثانية من مسائل الباب وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها PageV01P017
والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه.
وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعه1 وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء الطهور لا ينجسه شيء" وقد أعله ابن القطان2 باختلاف في اسم الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة فقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة على ابن القطان نفسه قال: بعد ذلك الإعلال وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة وله شواهد.
منها من حديث سهل بن سعد عند الدارقطني ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن خزيمه وابن حبان ومن حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلي والبزار وابن السكن كلها مثل حديث أبي سعيد.
وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه". PageV01P018
وأخرجه أيضا مع الزيادة ابن ماجه والطبراني من حديث أبي أمامه بلفظ: "إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه" وفي سندهما من لا يحتج به وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن في البدر المنير والمهدي في البحر فمن كان يقول بحجية الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان هذا الإجماع مفيدا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناه1 وتلقى القبول فالاستدلال بها لا بالإجماع.
قوله: وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة.
هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا التطهر به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه فإن خالطه شيء أوجب إضافته إليه كما يقال: ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء المقيد بنسبته إلى الورد مثلا هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في الكتاب العزيز لقوله: {ماء طهورا} وفي السنة المطهرة بقوله: "الماء طهور" فخرج بذلك عن كونه مطهرا ولم يخرج به عن كونه طاهرا لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقا لكل واحد منهما قبل الاجتماع.