ثانيا:
فصل في ذكر قبائل صنعاء
فمنهم المعروفون بذوي حسين القائمون في اليمن مقام الناظر من العين الذين هم بقية الناشد وضالة الفاقد ذوو الجياد السوابق والرماة الرواشق، جيادهم ثلاثة آلاف ورماتهم خمسة آلاف ومن ذلك أصناف، قد قنع محاربهم بالأدبار وجعله أعظم وسائله الواقية عن العطب لو كان ينفعه الأدبار ما بات جار لهم باهتا ولا أصبح نار لهم خافتا، تقلبوا في أعطاف الحيل وانقلبوا بالظفر في أبهى الحلل كم باشروا المصاعب بذعاف الكتائب حتى ثنوها خائبة السعي لا يولها حريب ولا مصاحب ومنهم ذروة المجد، " ذوو محمد " الآخذين الفخر على أقرانهم تعمد الباسطين أكفهم للسائل والواهبين أموالهم قبل المسائل سادوا فجادوا وأبدوا العز فما أعادوا، وأعلوا فباد الحرب لمصادمهم.
وشادوا، جيادهم ألفان، ورحالهم خمسة آلاف ومائتين. قد اكتفوا بمدد السيوف عن عدد الألوف، واسقطوا معانديهم بأقداح المنايا كأس الحقوف، ومع ذلك الشجاعة والتجاوز لهذه البراءة، حلوا بمنازل العفو والصفح وألزموا أنفسهم الأبية عن طريق الخنا مسالك الوفاء والمنح.
وسأقصر في شرح فضلهم لأني لست مدرك إثبات جميع فعلهم.
ومنهم " السلاطين " الآخذين القضاء قسرا والمتعاطون القول في هؤلاء الطائفة التي سلبت أزاهر المجد ولطائفه.
أنهم أكرم من الرياح إذا هبت وأندى من السحاب إذا صبت وأشجع من السود عند استبسالها، وأدفع الكرب للمنجود من القوس لنبالها، وردوا المكارم فأبن حاتم وبعثوا العزائم فكم قامت ما أكتم ما فيهم سوى متقلدا هندية ومعتقلا سمهرية فوارس عددها ثلاثة آلاف وثلاثة آلاف منبدق بين مخيف ومخوف، طوبى لما لمهم، وأف وقف لمقاومهم لو قلت أنهم أعلام على أطوار لا صبت أو ملت أنهم من بقايا قوم عاد لما كذبت، نعم.
ومنهم " النوى " ذوو الشرف للمكرمات والجوى الساكنين من الأراضي أنجدها والمدركين من الغابات أمجدها لا عيب فيهم سوى أنهم لا يتبعون معروفهم عقولهم قد عظمت وأمورهم قد نظمت ما من دجى ينجلي أو صباح يجتلى إلا ومناديهم.
يا طالب الغوث والأنجادي ... أقبل فنحن لك منجاء
ومن تصاريف المتون ملجأ، ألف فوارسنا وألفان رجل تجانسنا، فأطرح رهبك من ضدك، واسأل جميع حوائجك فلا تردك فكيف يدرك هؤلاء الأمجدين من طمع في حقوقهم إلى يوم الدين، قلت أما هؤلاء فكرام، وأما الطمع في لحوقهم فحرام.
ومنهم القبيلة " الصبحية " ذوو الفضائل والحمية الشاهد بفضلهم أضدادهم والعاجز اللسن البليغ عن تعدادهم، ذوو الهبات السنية والشيمة العربية والأنفس الكرام في طباعها.
والحاوية لمسالك الحمية بإجماعها، كم فرقوا من مصيبة، وكم أرهقوا من كتيبة وأسالوا البطاح بالدم النجيع حتى اسقوا مبارزيهم السم النقيع، هذا وعدد فوارسهم ألفان وأما الشاكون السلاح منهم على أقدامهم سعة بالعدد زائدة ثمانون لا يولون أدبارهم ولا تقاس بنار المتكرمين نارهم صانوا أعراضهم عن دنس الملام، وخلوا بين أجسامهم النواعم وبين الصائبات من السهام، ومنهم قبائل لم يفصح عنهم الراوي ولا يحوي عددهم على اختلاف طبقاتهم حامي، اقتصرت منهم على هؤلاء المرقومين، واكتفيت بالتلويح عن التصريح، والتبين فللناظر في هذه الطوائف المتصلة كنسف الكعوب والرافضة مسالك اللوم عن أعراضها، ودنس الجيوب أن ينظر بصفاء البديهة نظر الوامق، وأن يعيش بعين بصيرته اللاحق منهم بالسابق وهؤلاء كلهم في قبضة الملك السعيد السديد والأغر الفريد الذي لم يسمح الواصفون بتكميل وصفه، ولا حكت الجون الغوادي في النوال شابيب كفه تاج الملوك وأسماها وأقدمها إلى الذرة العلياء واسناها، الفارج الكرب العظيم بمثله، والقاطع لزلات الزمان بعدله، رب الفضائل ومنشيها والمضرم نيران الحروب وغاشيها، الذي يهوى معذرة الدهر لذوي الإملاق والمتبع هممه بعزائم ما أدرك بصنعها في الحقيقة رب الطاق، القول فيه أنه رحمة للعاملين، وحجة قاطعة على المبطلين، فضائله لا تحصر، وغصون كتائبه في الحروب لا تهصر. كم من عزائم عزمها، وكتائب لم يهزمها ريب المنون هزمها، تاهت لياليه على سائر الأيام، وأشرقت بعد غروب الجونة عزته، فأين جنح الظلام خدمته السعود بطولها وأنشدته الليالي الحوالك بقولها: