بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، فصدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وبددهم تبديدا: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} .
تفرد بالخلق والتصوير، ويبده الأمر والتدبير، وإليه القضاء والتقدير، فلا يملك أحد من دونه قطميرا: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، تعالى الملك الجبار: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} .
تفرد بالربوبية في قدمه، وظهرت سمات العبودية على من سوى ذي الجلال والإكرام: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس السبل، وقد مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي والارتياب، ففتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فاستنارت لها الطرق، وانفتحت الأبواب، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، ففتح القلوب بالإيمان والقرآن.
وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، ودعا إلى الله على بصيرة جميع العباد إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلامها أي إشراق، وتألفت به القلوب بعد شتاتها والافتراق، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، واستجابت القلوب لدعوته الحق طوعا وإذعانا، وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، وصلى الله عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء وعلى آل كل، وأصحاب كل والأولياء.
وبعد: فقد سألني بعض الإخوان -أيدهم الله تعالى بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان والفهم عنه- أن أكتب جوابا عن أباطيل
الكتاب الذي صنفه بعض الضالين من النصارى الجهلة المغالين، وسماه " مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن "، وضمن بعض فصوله الرد على المسلمين والاعتراض على نبوة سيد المرسلين، وقد بث منه النصارى نسخا كثيرة، ليلبسوا الأمر على ضعفاء البصيرة، ويلقوا عليهم الشكوك والشبهات بما لفقوه من أباطيل الترهات: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} .
وقد وفى -سبحانه- بما وعد، وأظهر دينه على رغم من كفر وجحد، فأظهره بالحجة والبيان، ونصره بالسيف والسنان، وأيد أهله على سواهم، ونصرهم بالحجة على من ناوأهم، كما أظهرهم بالسيف على من كانوا له يحاربون، وذلك مصداق قوله تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} .
وأيد رسوله وأتباعه بالحجج الصحيحة العلمية، والبراهين القاطعة العقلية والنقلية بما لم يبق بعده للمخالف إلا محض العناد، وحينئذ فالدواء الشافي من هذا الداء سيف الجهاد، وكفى لمن جانب جانب الاعتساف، وسلك طريق العدل والإنصاف ما تضمنه القرآن العربي المبين من البينات والحجج والبراهين، فهو الشفاء النافع لمن استشفى، والكفاية التامة لمن به استكفى، وهو الهدى والنور وشفاء وسوسة الصدور، وهو الكفيل بالانتصار على المبطلين لمن كان به خبيرا.