تتمة
:
ولمن في أعلى ماء غير مملوك، كالأمطار، والأنهار الصغار، أن يسقي ويحبسه حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه أولا، ثم هو كذلك، مرتبا الأعلى فالأعلى، إلى انتهاء الأراضي، إن فضل شيء، وإلا فلا شيء للباقي.
ولو استوى اثنان فأكثر في قرب من أول نهر، قسم الماء بينهم على قدر الأرض، إن أمكن، وإلا أقرع، ولو أحيا سابق مواتا في أسفل النهر، ثم أحيا آخر فوقه، ثم أحيا ثالث فوق ثان، سقى المحيي أولا، ثم ثان، ثم ثالث، اعتبارا بالسبق إلى الإحياء، لا إلى أول النهر، كما تقدم، لأنه إذا PageV02P864 # ملك الأرض ملكها بحقوقها ومرافقها.
والماء الجاري المملوك وغيره، لكل أحد أن يأخذ منه لشربه، ووضوئه، وغسله، وغسل ثيابه، والانتفاع به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، بلا إذن مالكه، إن لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع منه، لحديث أبي هريرة مرفوعا: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل مائه بالطريق، فمنعه ابن السبيل" (¬1) رواه البخاري. بخلاف ما يؤثر فيه، كسقي ماشية كثيرة، ونحوه، فإن فضل شيء من الماء عن حاجته لزمه بذله لذلك، وإلا فلا. PageV02P865
فصل في الجعالة
بتثليث الجيم -كما ذكره ابن مالك (¬1) - (¬2) مشتقة من الجعل، بمعنى التسمية. لأن الجاعل يسمى الجعل للعامل. أو من الجعل، بمعنى الإيجاب. يقال: جعلت له كذا أي: أوجبت (¬3). ويدل لمشروعيتها قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} (¬4)، وحديث اللديغ (¬5). ولدعاء الحاجة إليه.
وهي شرعا: جعل مال معلوم لمن يعمل له عملا، ولو مجهولا (¬6) فلذلك قال: (ويجوز جعل شيء معلوم) فلا يصح: من رد عبدي فله نصفه، ونحوه، لا إن كان من مال حربي، فيصح مجهولا (لمن يعمل) متعلق بجعل (عملا) مباحا، بخلاف نحو زمر، وزنا (ولو) كان العمل (مجهولا) كمن خاط لي ثوبا، ونحوه، فله كذا، أو لمن يعمل له مدة ولو مجهولة، كمن حرس زرعي، أو أذن في هذا المسجد، فله في كل شهر كذا و (كرد عبد، ولقطة، وبناء حائط) كقوله: من رد عبدي الآبق فله كذا، أو رد لقطتي، أو PageV02P866 # بنى حائطي، فله كذا (فمن فعله) أي العمل المسمى عليه الجعل (بعد علمه) أي بعد أن بلغه الجعل (استحقه) كدين، لأن العقد استقر بتمام العمل، فاستحق ما جعل له، ومن بلغه الجعل في أثناء العمل، استحق من الجعل حصة تمامه، إن أتمه بنية الجعل، ومن بلغه بعد تمامه لم يستحقه، ولا شيء منه، لما سبق، وحرم عليه أخذه، إلا إن تبرع له به ربه، بعد إعلامه بالحال.
(ولكل) من المجاعل والعامل (فسخها) لأنها من العقود الجائزة، (ف) إن وقع الفسخ (من عامل فلا شيء له) لإسقاطه حق نفسه، حيث لم يوف ما شرط عليه (و) إن وقع (من جاعل فلعامل أجرة) مثل (عمله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له، ولا شيء لما يعمله بعد الفسخ، لأنه غير مأذون فيه، وإن زاد جاعل في جعل، أو نقص منه قبل شروع في عمله، جاز، وعمل به، لأنه عقد جائز، كالمضاربة (وإن عمل) شخص (غير معد لأخذ أجرة لغيره عملا بلا جعل) فلا شيء له، لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحقه (أو) عمل معد لأخذ أجرة لغيره عملا (بلا إذن فلا شيء له) لتبرعه بعمله، حيمث بذله بلا عوض (إلا في تحصيل) أي تخليص (متاع) غيره، ولو قنا (من بحر أو فلاة) أو فم سبع، يظن هلاكه في تركه (فله أجر مثله) لأنه يخشى هلاكه، وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة (وفي) رد (رقيق دينار أو اثنا عشر درهما) ولو جعل دون ذلك، وسواء كان يساويها، أو لا لئلا يلتحق بدار الحرب، ويشتغل بالفساد.