فالصواب إن شاء الله تعالى ما قاله ابن القيم أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته. وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} {نه بهم رؤوف رحيم} 3 4 ولم يجئ قط (رحمن بهم) ، فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، و (رحيم) ، هو الراحم برحمته. والرحمن الرحيم نعتان لله تعالى.
واعترض بورود اسم الرحمن غير تابع لاسم قبله. قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} 5 فهو علم فكيف ينعت به؟
والجواب ما قاله ابن القيم: إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت؛ فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، ف (الرحمن) اسمه تعالى ووصفه تعالى لا ينافي اسميته، فمن حيث هو صفة جرى تابعا لاسم الله تعالى، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورد الاسم العلم. ولما كان هذا الاسم مختصا به سبحانه حسن مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم الله، وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمة كاسم الله، فإنه دال PageV01P015
على صفة الألوهية فلم يجئ قط تابعا لغيره بل متبوعا، وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها، ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة.
قلت: قوله عن اسم الله: (ولم يجئ قط تابعا لغيره) ، بل لقد جاء في قوله تعالى: {إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات و [ما في] الأرض} 1، على قراءة الجر، وجواب ذلك من كلامه المتقدم، فيقال فيه ما قاله في اسم الرحمن. PageV01P016
كتاب التوحيد
أنواع التوحيد:
(النوع الأول) : توحيد الربوبية والملك.
ال (كتاب) مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع. ومنه تكتب بنو فلان: إذا اجتمعوا. والكتيبة لجماعة الخيل، والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف، وسمي الكتاب كتابا لجمعه ما وضع له، ذكره غير واحد.
و (التوحيد) : مصدر وحد يوحد توحيدا، أي: جعله واحدا، وسمي دين الإسلام توحيدا؛ لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء، والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. وإن شئت قلت: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات ، وتوحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد الإلهية والعبادة. ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم وذكر معناه غيرهما.
(النوع الأول) : توحيد الربوبية والملك:
وهو: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده، قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع