مقدمة
...
تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب
كتاب التوحيد
الذي هو حق الله على العبيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رضي الإسلام للمؤمنين دينا، ونصب الأدلة على صحته وبينها تبيينا، وغرس التوحيد في قلوبهم، فأثمرت بإخلاصه فنونا، وأعانهم على طاعته هداية منه وكفى بربك هاديا ومعينا.
{وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} ، [الإسراء: 111] .
{وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} ، [الفرقان: 54-55] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوييته وإلهيته، تعالى عن ذلك {علوا كبيرا} ، [الإسراء، من الآية: 4] .
{الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} ، [الفرقان: 59] .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {شاهدا ومبشرا ونذيرا (وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} ، [الأحزاب: 45-46] .
وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، فهذا شرح لكتاب (التوحيد) 1، واف إن شاء الله تعالى بالتنبيه على بعض ما تضمنه من بيان أنواع التوحيد؛ إذ هو المقصود بالأصالة هنا، ولم أخله أيضا من التنبيه على بعض ما يتضمنه من غير ذلك، إلا أن الأولى بنا هو بيان ما وضع لأجله الكتاب؛ لعموم الضرر والفساد الواقع من مخالفة ما فيه. PageV01P003
والأصل في ذلك هو الإعراض عن الهدى والنور الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، والاستغناء عن ذلك بمتابعة الآباء والأهواء والعادات المخالفة لذلك.
ولهذا كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من القرآن، وضرب الأمثال لذلك، وأكده وتوعد على الإعراض عنه، وما ذاك إلا لشدة الحاجة، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة، فإنه لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ميت.
كما قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} [الأنعام] فسمى سبحانه وتعالى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا، وسمى من حصل له ذلك حيا، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى، ومعرفته وخدمته، والإخلاص له، والاستلذاذ بذكره، والتذلل لعظمته، والانقياد لأوامره، والإنابة إليه، والإسلام له، فإذا حصل هذا للعبد، فهو الحي، يل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين.
كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} 1.
فإذا فاته هذا المقصود فهو ميت، بل شر من الميت. قال الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}
وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} 2.
وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} 3.