مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور
...
مسئلة شد الرحال إلى زيارة القبور
(وأما النهي) عن اتخاذه عيدا بالاجتماع عنده والسفر إليه فلما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" وهذا إسناده حسن ورواته كلهم ثقات مشاهير وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده إلى أن ساق سند الحديث عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه علي بن الحسين وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته
من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يصلني أينما كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته وعند سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا، صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وقال سعيد عن أبي سهيل قال لما رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده. فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء" فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدور على ثبوت الحديث لاسيما وقد احتج به من أرسله، ولو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين لكفى فكيف وقد تقدم مسندا. وقبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان. ثم إنه أعقب النهي بقوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" وفي الحديث الآخر "فان تسليمكم يبلغني أيما كنتم" يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا. والأحاديث عنه بان صلاتنا وسلامنا يعرض عليه كثيرة:
(منها) ما روى أبو داود في سننه من حدث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" وهذا الحدث على شرط مسلم.
(ومنها) ما روى أبو داود أيضا عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال: "إن الله حرم
على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء".
ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيرهم، فتبين بهذا أن قصده للدعاء ونحوه هو اتخاذه عيدا وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عنده غير دخول المسجد والصلاة فيه ورأى أن قصده ذلك من اتخاذه عيدا. فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا" مأخوذ من المعاودة والاعتياد. ومنه ما هو اسم للزمان كقوله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" رواه أبو داود وغيره. ومنه ما هو اسم للمكان كما روى أبو داود في سننه: "إن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال: أوف بنذرك" وإذا كان اسما للمكان، فهو الذي يقصد للاجتماع فيه وإتيانه للعبادة أو لغيرهما كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر كلها جعلها الله أعيادا للحنفاء مثابة للناس كما جعل أيام التعبد فيها عيدا وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد النحر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعباد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، فاتخاذ القبور عيدا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، فلذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصد قبره من بعيد أو للدعاء عنده أو للاجتماع لديه، فإنه بذلك يكون عيدا، وحينئذ فقصد القبر مجردة من الأمصار في وقت معين أو في غير وقت معين هو الذي نهى عنه السلف الصالح لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه في قوله لا تتخذوا قبري عيدا. ولما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وسعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وقد روي هذا من وجوه أخر وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنه، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف هو من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده