ترجمة الشيخ أبي الحسن الكراي:
ومن أحفاد (¬644) سيدي علي أبي بغيلة الشيخ سيدي أبو الحسن بن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن ميمون صاحب الموشحات التي عدتها ست وخمسون على طريقة السادة الوفائية في تعظيم جانب الحق جل ثناؤه، وإمداح للمصطفى صلى الله عليه وسلم وتشويق للكعبة المشرفة وغير ذلك، وشرح معظمها بشرح يتكلم فيه على طريقة القوم.
وأنشأ وظيفة أرسلها إلى مصر فشرحها له الشيخ عبد الوهاب / الأزهري ومدحه أيضا الشيخ عبد الوهاب بقصيدة أرسلها له مع الشرح المذكور.
وكان الشيخ فقيها عارفا بالطريقة والحقيقة، أخذ علوم الظاهر عن والده الشيخ PageV02P339 سيدي أبي بكر الكراي، وعن الشيخ المفتي سيدي عبيد اللومي (¬645)، ومن كان بعصره من فقهاء البلد.
وحصل له الجذب على يد الشيخ سيدي سعيد الوحيشي - رحمه الله - وذلك أن والده كان رجلا متبعا للشريعة متمسكا بالحقيقة محبا للصالحين، ويكثر من زيارتهم. ففي كل سنة يخرج بتلاميذه لزيارة الصالحين بوطن صفاقس، ويحث ولده أبا الحسن على الذهاب للزيارة، فأبى ذلك، فلما آن الأوان قال لوالده: أريد أن أخرج هذه السنة للزيارة ففرح والده بذلك، فلما تهيأ التلاميذ للخروج تجهز وخرج معهم وقال لهم:
لا بد من الذهاب لزيارة الأشياخ بمدينة القيروان فامتنعوا من ذلك أولا لبعدها عنهم، ولم تجر العادة بمجاوزة الوطن، فأبى عليهم إلا المسير إليها، فلما رأوا جده في ذلك طاوعوه، فلما قربوا من القيروان نزل عن دابته وذهب ودخل القيروان وحده ولم يكن قبل يعرفها، فلم يزل سائرا حتى دخل الزاوية الوحيشية، وكان سيدي سعيد إذ ذاك في خلوته ولا يدخل عليه أحد إلا بإذن، ولم يعلم ذلك الشيخ أبو الحسن فدخل من غير استئذان فقبله الشيخ سيدي سعيد الوحيشي، ولحظه وجذبه بهمته، فخرج من هناك هائما لزيارة الصالحين، وبقي على ذلك مدة، ثم رجع إلى صفاقس وقد أخذه الحال وانجذب لطريق القوم، فأنشأ له / زاويته المشهورة به، واشتغل بنشر العلم واحتجب وشرع في إنشاء الموشحات على طريق السادة الوفائية، وأكثر فيها من المواعظ والحظ على الآخرة، فانتفع بها من هداه الله تعالى.
وأقام في حجبته خمسين عاما، وقد تقدم ما وقع له من محنة إبن عطية وابن الإنكشاري. وعند وفاته رثاه تلميذه الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي المراكشي بقصيدة طويلة من جملتها قوله:
[الطويل]
محقق علم ثابت متلطف ... عكوف على الطاعات بالعلم عامل
فخمسين عاما قد ثوى (¬646) في اعتكافه ... مكبا على التعليم من غير شاغل
وحقق أيضا في اعتقاد لطالب ... عقائد في التوحيد للشك زائل PageV02P340 بسيدنا عثمان متصل النسب ... فيا حبذا من نسل تلك الأماثل
كراماته تنبيك عن طيب فعله ... تنير ضياء مثل شمس التوافل
بنى داره زاوية مسجد بهي ... وروضة دفن هي (¬647) عذب المناهل
فمولده في شهر رمضان ثابت ... بعشرين يوما مع ثمان فواضل
مسمى بيوم جمعة فيه ساعة ... يجاب دعاء البر فيها لسائل
ففي عام واو ثم كاف محقق ... وبعدهما ألف مضت برواحل
وسار إلى عفو الإلاه مهللا ... وسبحته مقرونة بالأنامل
بآخر يوم بالعروبة (¬648) ينسب ... لشهر رجب فالعفو واللطف نائل
ففي عام ألف ثم خمس ومائة ... عفا عنه مولانا كريم الفعائل