الداي أحمد خوجة:
فقام بالأمر بعده (¬93)، أحمد خوجة ويقال له أوزون (¬94) خوجة، وكانت توليته باتفاق من العسكر لأنه كان رحيم القلب محسنا للفقراء والأيتام والأرامل، فمالت إليه القلوب، وكان أولا خوجة (¬95) الديوان، فمن ذلك الوقت ظهر إحسانه وشفقته على أيتام العسكر وفقرائه، فكان سبب توليه.
وفي أول توليه جاءت أغربة مالطة فدخلوا حلق الوادي، وأخذوا منه مراكب وأحرقوا عدة مراكب فلم ينفعهم البرج، فمن ثم زيد برج آخر (¬96) تحصينا للمرسى.
وفي سنة خمس وخمسين (¬97) كان إبتداء العمارة لكندية (¬98)، وجاءت الأوامر السلطانية بتجهيز المراكب والعسكر، فندب أحمد خوجة الناس لذلك وجعل على أهل المدينة والربطين (¬99) أموالا لتجهيز الذين عينوا للسفر، وهم جماعة، وجعل لكل واحد مقدار ثلاثين كرونة (¬100)، وهيأ معهم جملة من المساحي (¬101) والفيسان (¬102) والقفاف، وحملهم في المراكب لحفر الخنادق وردمها وللمتاريس وشبهها مما تدعو إليه ضرورة الحرب، ثم توجهت في السنة الثانية.
محمد لاز:
وتوفي أحمد خوجة (¬103) سنة سبع وخمسين وألف (¬104).
فتولى بعده الحاج محمد لاز، ومن هنا إرتفعت رتبة الباي عن رتبة الداي، فلا بد PageV02P096 من التعرض لذكر شيء من البايات الماضين عن هذا الداي، ثم نسوق الكلام على البايات بالذات وعلى الدايات بالعرض.
بداية البايات:
فنقول: لما كانت دولة بني حفص في أيام إستقامتها، كان (¬105) سلاطينهم يخرجون بمحالهم لجباية أموالهم، ولما جاءت دولة العساكر العثمانية تقسمت البلاد بين القياد، وصار أعظم قيادهم يخرج بالمحلة، وكانت الأعراب مع ذلك في قوة واستحوذوا على جل البلاد كعرب إفريقية أولاد أبي الليل وأولاد أبي سالم (وأولاد حمزة (¬106)) (¬107) وأولاد شنوف (¬108) عرب الكاف وأولاد سعيد وأولاد مدافع، وأهل الجبال غالبهم عصاة، فكان صاحب المحلة يعاملهم بالمخادعة والرفق والقواد يتعاقبون في التزامات المحال، فكانت أحوالهم غير مضبوطة، وكثرت الحكام في المدينة، فكانوا في جهد مع الرعية، وفي أقل الأمور يتعذر الخلاص معهم وخصوصا أهل جبل عمدون ومن جاورهم وأهل جبل وسلات وأهل جبل مطماطة وغيرهم.
فأول من سما (¬109) وأظهر ناموس البايات (¬110) وتسامى وتسمى بهذا الإسم على الحقيقة القائد رمضان من الأعلاج، أصله من أهل الجزائر فخدم المناصب هناك، وانتقل إلى تونس، وتحصل على هذه المرتبة، وكانت له سياسة وتدبير حسن فاقتنى المماليك وعلت رتبته، وتخرج من مماليكه عدة رجال أخذوا المناصب في حياته، وتسموا (¬111) بهذا الإسم قبل مماته، فمنهم مراد باي، ورمضان باي، وحسن باي، فهؤلاء مشاهير مماليكه، وكان أعلاهم همة وأبعدهم صيتا مراد، فكان فيه زيادة حذق وقوة علم بسياسة الرعية وتدبيرها، وجباية الأموال وتحصيلها، فاستولى / في حياة سيده PageV02P097 على الولاية (¬112) الضخمة، واستخلفه في حياته، وكان يتفرس فيه النجابة على الإثنين الآخرين.