وفي سنة ثلاث عشرة (¬367) أخذ السلطان الجزائر صلحا من أهلها.
وفي يوم السبت السابع والعشرين لربيع الثاني من السنة المذكورة (¬368) توفي قاضي الجماعة الخطيب المدرس عيسى الغبريني، ودفن بالزلاج، وقدم عوضه أبو يوسف يعقوب الزغبي وقدم لامامة الجامع والفتوى به الحافظ أبو القاسم البرزلي.
وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة (¬369) توفي أبو عبد الله محمد بن خلف (¬370) ألأبي بضم PageV01P596 الهمزة نسبة لأبة (¬371) قرية من قرى تونس مؤلف «اكمال المعلم في شرح مسلم» (¬372) في ثلاث (¬373) مجلدات ضخمة، وشرح المدونة، سكن تونس، وتوفي بها - رحمه الله تعالى -.
وفي عام سبعة وعشرين وثمانمائة (¬374) / افتتح السلطان أبو فارس تلمسان المرة الأولى من يد صاحبها عبد الواحد بن حمو الزياني لما بلغه أن سيرته غير مرضية، ونهاه فلم ينته وفر هاربا بعد كسر ولده عند خروجه بمحلة لملاقاة السلطان أبي فارس، ودخل أبو فارس تلمسان، واستقر بها في قصبتها، واستولى على جميع ما فيها ثالث عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة (¬375)، ثم قلدها الأمير محمد ابن السلطان أبي تاشفين بن أبي حمو الزياني، فعقد له عليها، ثم ارتحل قاصدا مدينة فاس حتى لم يبق بينه وبينها إلا مسيرة يومين، فوجه له صاحبها أن البلاد بلدكم والسلطنة لكم وجميع ما تأمرنا به نمتثله، فقبل أبو فارس كلامه ووجه له هدية عظيمة، فكافأه عليها بأكثر منها وقفل راجعا إلى تونس غانما منصورا ولحقته بيعة فاس ثم صاحب الأندلس، فصارت افريقية والغرب الأقصى والأوسط كلها تحت نظره وفي ملكه.
نزول النصارى بقرقنة:
وفي سنة سبع وعشرين المذكورة بعث سلطان النصارى القطلاني (¬376) رسولا من قبله إلى حضرة تونس برسم التحدث في الصلح، فوجد الرسول السلطان أبا فارس بالمغرب، فبعث له الغراب وقال: «ارجع فورا، فرجع في الغراب، فوجه عمارة عددها خمسون جفنا (¬377)، وقصدوا قرقنة ونزلوها ليلا على حين غفلة من أهلها والنصارى نحو عشرة آلاف مقاتل / والمسلمون نحو الألفين ما بين رجال ونساء وأولاد، ولا PageV01P597 حصن بالجزيرة يتحصنون به، فوقفوا وقاتلوا عن (¬378) أنفسهم وحريمهم، فقتلوا من النصارى نحو أربعمائة، واستشهد من المسلمين نحو المائتين، وأسر باقيهم، واستولى العدو على ما في الجزيرة، وكان السلطان قد انصرف إلى المغرب، فلما وصل إلى قفصة بلغه خبر العمارة، فجد في السير إلى أن اتفق وصوله ووصول النصارى لصفاقس فطلبوا من السلطان الأمان لينزلوا ويتحدثوا في فدية المسلمين، فأعطاهم الأمان ونزل منهم نحو ستمائة نفس من كبارهم، فأعطاهم السلطان خمسين ألف دينار فدية فأبوا، فأتى المرابط بن أبي صعنونة للسلطان وقال له: «النصارى خانوك فانهم بعثوا رسلهم للصلح، وفعلوا ما فعلوا وليس لخائن أمان، فالرأي الصواب عندي القبض على هؤلاء حتى يردوا المسلمين فأبى ذلك، وقال: لا، [لئلا] (¬379) يتحدث الناس (¬380) أني خائن نعطي الأمان ونخون نعوذ بالله من ذلك، فقال له المرابط: إذا لم تفعلها أنت نفعلها أنا، تمشي أنت تتصيد وأنا نأخذهم في غيبتك، فنهاه وطلعوا لأجفانهم على الأمان، وسافروا بالمسلمين لبلدهم، ولكن بعد ذلك افتداهم كما افتدى أكثر أسارى المسلمين من أيدي الكافرين لأنه التزم فداء جميع من يرد لمرسى تونس من الأسارى من بيت المال مدة حياته، وأوصى تجار النصارى من جميع أجناسهم / أن يأتوه بكل من يقدرون عليه من أسارى المسلمين، وعين لهم في كل شاب منهم من ستين دينارا إلى سبعين، وفي كل شيخ وكهل من الأربعين إلى الخمسين، فما مضت مدة يسيرة حتى جاء تجارهم بعدد كثير من الأسارى ففداهم جميعا من بيت المال، وما زال يفعل ذلك مدة حياته، ثم أوقف أوقافا كثيرة معتبرة، وحفظ مجابيها، وكلما يتحصل من المجابي يشتري بها ربعا برانيا ودخلانيا بحضرة تونس أعده لفداء الأسارى بعد وفاته».