جبل درن:
والطريق من تارودنت (¬87) السوس إلى مدينة أغمات وريكة مع أسفل جبل درن الأعظم الذي ليس جبل مثله إلا القليل في السمو وكثرة الخير وطول المسافة، واتصال العمارات، ومبدؤه من البحر المحيط في أقصى السوس ويمر مع الشرق مستقيما حتى يتصل بجبل نفوسة فيسمى هناك بذلك، ويتصل بعد ذلك بجبال طرابلس، ثم يرق هناك وينقطع أثره. وقد حكى غير واحد أن طرف هذا الجبل يصل إلى البحر [حيث الطرف] (¬88) المسمى أوثان من برقة. وفي هذا الجبل كل طريفة من الثمار وغرائب الأشجار، والماء يطرد منه وبوسطه وجوانبه يوجد النبات أبدا مخضرا في كل الأزمان، وعلى أعلاه جمل من قلاع وحصون تنيف على بضع وسبعين حصنا، ومنها الحصن المنيع القليل مثله في حصون الأرض بنية وتحصينا ومنعة، وهو في أعلى الجبل ومن حصانته وثقافة مكانه أن أربعة رجال يمسكونه ويمنعون الصعود إليه، لأن الصعود إليه من مكان ضيق وعر المرتقى لأنه يشبه الدرج الحرج. ولا ترتقي إليه دابة إلا بعد جهد ومشقة.
واسم هذا الحصن تانمللت (¬89) وهو كان عمدة محمد بن تومرت حين ظهر بالمغرب PageV01P058 - كما يأتي إن شاء الله - وهو الذي زاد في تشييده ونظر في تحصينه وجعله مدخرا لأمواله وبه قبره لأمره بذلك، ولما مات بجبل الكواكب احتمله المصامدة إليه ودفنوه به فقبره هناك يزار من جميع بلادهم وعليه قبة عالية بلا تزويق ولا كلفة بل متقنة الصنع محكمة البناء.
وفي هذا الجبل من الفواكه التي لا توجد في غيره، تينا وعنبا مستطيلا عسليا لا يوجد في أكثره نوى، ومنه يتخذ زبيب يتنقل (¬90) عليه ملوك المغرب لرقة قشرته (¬91) وعذوبة طعمه واعتدال غذائه، وفيه الجوز واللوز، وأما السفرجل والرمان فيباع الحمل منه بقيراط واحد لكثرته، وبه من الأجاص والمشمش والكمثرى والأترج والقصب الحلو كثير حتى أن أهل هذا الجبل لا يبيعونه بينهم ولا يشترونه لكثرته (¬92).