وفي ثاني صفر من سنة سبعمائة (¬136) توفي الشيخ الفقيه النحوي أبو زكرياء اليفزني (¬137) كان تلميذ ابن عصفور وخليفته في فنه.
وفي شهر جمادى الأولى من سنة ست وسبعمائة (¬138) سافر شيخ الموحدين أبو يحيى / زكرياء بن أحمد اللحياني بالعساكر إلى جربة برسم خلاصها من أيدي النصارى، فقاتل القشتيل (¬139) شهرين (¬140)، ولما عجز عنه رحل إلى قابس (¬141) وانتهى إلى توزر، وأعانه على الخدمة أحمد بن محمد بن يملول مخدوم التجاني صاحب الرحلة، PageV01P561 فخلص مجابي الجريد، ورجع إلى قابس، فأنزله عبد الملك بن مكي فصرف العساكر إلى الحضرة، وعمل على السفر إلى الحج، فتولى رئاسة الموحدين بتونس أبو يعقوب بن يزدوتن، وتحول هو عن قابس إلى بعض جبالها خوفا من وخمها، وأقام في انتظار الركب. ثم انتقل إلى طرابلس، فأقام بها حولا ونصفا إلى أن وصل وفد الترك من المغرب في آخر سنة ثمان، كانوا أتوا بهدية من صاحب مصر ليوسف المريني، فخرج معهم حاجا فقضى حجه.
وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر (¬142) لربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة (¬143) توفي الأمير أبو عبد الله محمد أبو عصيدة، فكانت خلافته أربعة عشر عاما وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما (¬144) وكان في قائم حياته عقد عهدا مع الأمير أبي البقاء خالد صاحب قسنطينة وبجاية على أن أيهما توفي قبل صاحبه أخذ صاحبه بلاده.
أبو بكر الشهيد:
وكان السلطان خالد قد نزع إليه حمزة بن عمر بن أبي الليل يرغبه في ملك الحضرة (¬145) واستنهضه اليها، فلما مرض السلطان أبو عبد الله، وتحقق ذلك الأمير خالد وهو ببجاية جد في / الحركة على تونس، وأظهر أنها للجزائر، ثم سار إلى قسنطينة وترك بها نائبا (¬146)، فلما قرب من تونس ونزل قصر جابر توفي الأمير أبو عبد الله أبو عصيدة فاجتمع الأشياخ وكبار الموحدين وتحدثوا هل يقع الوفاء بالعهد والشرط المتقدم أو ينظرون من يبايعونه لأنفسهم فاتفق رأيهم على مبايعة الأمير أبي يحيى أبي بكر المعروف بالشهيد ابن الأمير أبي زيد عبد الرحمان ابن الأمير أبي يحيى بن أبي بكر ابن السلطان أبي زكرياء، فبويع يوم وفاة أبي عصيدة، وذلك يوم الثلاثاء الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعمائة (¬147). PageV01P562
فما أتم ثمانية أيام حتى خرج لقتال أبي البقاء خالد فأقام بمحلته تسعة أيام، والتقى أبو البقاء وأبو بكر، فانهزم أبو بكر، ودخل القصبة، ثم لما أصبح أراد الوقوف بالسبخة مع خاصته، وظن أن من بقي من الأجناد بتونس يقفون معه، فوقف عند الأقواس يسيرا، ثم انصرف فقبض عليه من ساعته وقتل في السابع (148) والعشرين من الشهر المذكور فكانت دولته ستة عشر يوما.