ولم يزل يرسل الغزو عليها بأساطيله والمقدم عليها جرجير المذكور وهو العارف بالمهدية حاضرة وبادية ويضعفه بذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين.
وقال ابن الأثير (¬26) ففي سنة احدى وأربعين وخمسمائة (¬27) سار أهل قابس إلى لجار مستعينين (¬28) به على رد محمد بن رشيد (¬29) وكان بين لجار وبين الحسن بن علي صاحب PageV01P484 المهدية صلح وعهود إلى مدة سنتين فلما كانت سنة اثنتين وأربعين (¬30) زاد ما نزل بالناس من شدة الغلاء الذي ابتدأ جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين، ففارق الناس البلاد والقرى ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، وأكل الناس بعضهم بعضا (¬31)، وكثر الموت في الناس، وكان لجار يتمنى الاستيلاء والتغلب على بلاد افريقية (فاغتنم الفرصة وقدر أنه لم يبادر في هذه الشدة لم يتأت له مطلوب) (¬32) «زاد غيره فأضعف الغلاء أكثر جند الحسن، وأهلك خيلهم ومع ذلك فكانت بقية العسكر في محاربة ابن خراسان صاحب تونس عضدا لمحرز بن زياد صاحب المعلقة» (¬33)، فلما كانت سنة ثلاث وأربعين (¬34) «عمر (¬35) أسطولا كبيرا وأكثر من المراكب فبلغ نحوا من مائتين وخمسين شينيا (¬36) وقيل ثلاثمائة مركب مملوءة رجالا وسلاحا وقوتا (¬37) وسار الأسطول عن صقلية فوصل إلى جزيرة قوصرة، فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية فأخذ / أهله وأحضروا بين يدي جرجير (¬38) فسألهم عن حال افريقية ووجد في المركب قفص حمام فسألهم هل أرسلوا منها شيئا فحلفوا أنهم ما أرسلوا شيئا، فأمر الرجل الذي كان الحمام صحبته أن يكتب بخطه أنه لما وصلنا إلى جزيرة قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى جزائر القسطنطينية.
وأطلق (¬39) الحمام فوصل إلى المهدية، فانخدع الأمير حسن والناس، وفرحوا بذلك وأراد جرجير بذلك أن يصل بغتة، ثم سار - وقدر وصولهم إلى المهدية وقت PageV01P485 السحر - ليحيط بها قبل أن يخرج أهلها، فلو تم له ذلك لم يفلت من الناس أحد فقدر الله عليهم بارسال ريح هائلة عاكستهم (¬40)، فلم يقدروا على المسير الا بالمقاذيف، فطلع النهار ثاني صفر من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (¬41) قبل وصولهم، فرآهم الناس، فلما رآهم جرجير (¬42)، وعلم أن الخديعة فاتته، أرسل إلى الأمير حسن يقول:
إنما جئت بهذا (¬43) الأسطول طالبا ثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها، وأما أنت فبيننا وبينك عهد وميثاق إلى مدة، ونريد منك عسكرا يكون معنا.
فجمع (¬44) الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم، فقالوا: نقاتل عدونا فان بلدنا حصين، فقال: أخاف أن ينزل إلى البر ويحصرنا برا وبحرا، ويحول بيننا وبين الميرة، وليس عندنا ما يقوتنا شهرا، فنؤخذ قهرا، وأنا أرى سلامة المسلمين من القتل والأسر خيرا / من الملك، وقد طلب مني عسكرا لقابس، فان فعلت فما يحل لي معونة الكفار على المسلمين، وإن امتنعت يقول: انتقض ما بيننا من الصلح، وليس يريد الا أن يثبطنا حتى يحول بيننا وبين البر، وليس لنا بقتاله طاقة، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ونترك البلد، فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا، وأمر في الحال بالرحيل وأخذ معه من حضره [وما] خف حمله، وخرج الناس على وجوههم بأهاليهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم، ومن الناس من اختفى عند النصارى وفي الكنائس، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية إلى ثلثي النهار، ولم يبق في البلد ممن عزم على الخروج أحد، فوصل الافرنج ودخلوا البلد من غير مانع ولا مدافع، ودخل جرجير (42) القصر فوجده على حاله لم يأخذ الحسن منه الا ما خف حمله من ذخائر الملوك وفيه جماعة من حظاياه، ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة وكل شيء غريب قل وجود مثله، فختم عليه، وجمع سراري الحسن في قصره (¬45) فكان ولاية صنهاجة من زيري إلى الحسن (مائة سنة وثمانين سنة من سنة احدى PageV01P486 وستين وثلاثمائة) (¬46) إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (¬47)، وكان بعض القواد أرسله الحسن إلى لجار برسالة، فأخذ لنفسه وأهله منه أمانا، فلم يخرج معهم، ولما ملك جرجير المهدية (¬48) نهبت مقدار ساعتين، ونودي بالأمان، فخرج من كان مستخفيا، وأصبح جرجير من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب مشاكليه (¬49) / فدخلوا عليه، فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة (¬50)، وأرسل من جند المهدية الذين تخلفوا بها جماعة، ومعهم أمان لأهل المهدية الذين خرجوا منها، ودواب يحملون عليها الأطفال والنساء، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع والعطش والتعب (¬51)، ولهم بالمهدية خبايا وودائع، فلما وصل إليهم الأمان رجعوا فلم تمض جمعة الا وقد رجع أكثر أهل البلد.