احتلال النرمان للمهدية:
فلما كان يوم السبت لخمس بقين من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وخمسمائة (¬18) وصل أسطول لجار إلى المهدية فأرسى بالجزيرة المعروفة هناك «بجزيرة PageV01P482 الأحاسي» (¬19) وهي على عشرة أميال من المهدية، ونزل قائده عبد الرحمان وجرجير إلى الجزيرة، وضربت لهما ولمقدمي الافرنج مضارب هنالك، وكان وصولهم آخر النهار فخرج منهم إلى البر تلك الليلة خلق كثير وانبسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا ثم عادوا إلى الجزيرة، ووصل القائدان في اليوم الثاني في البحر في بعض / قطعهم إلى المهدية فأطافا بها وانتهيا إلى ساحل زويلة فهالهما (¬20) ما رأيا بالأسوار والسواحل من الناس وانصرفا عائدين إلى الجزيرة، فوجدا طائفة من العرب ومن الأجناد قد دخلوا إليها وكشفوا من كان بها من الروم عن مواضعهم، وقتلوا منهم قوما وانتهبوا أسلحتهم.
فلما كان اليوم الثالث تمكن النصارى من القصر المعروف بقصر الديماس، وحصل به زهاء (¬21) مائة منهم باعانة بعض الأعراب لهم على ذلك لما مناهم به عبد الرحمان وصاحبه، وقد كان لجار أمرهما (¬22) بالنزول بجزيرة الأحاسي والتحيل في أخذ قصر الديماس بمباطنة العرب ثم الزحف من هناك في البر بالرجال والخيل إلى المهدية.
فلما كان اليوم الرابع اجتمع المسلمون وخرجوا من المهدية وكبروا تكبيرة واحدة راعت من في الجزيرة، فظنوا أنهم داخلون إليهم فانهزموا إلى مراكبهم وقتلوا بأيديهم كثيرا من خيلهم، ودخل المسلمون الجزيرة وليس بها أحد منهم فوجدوا فيها خيلا وآلات وأسلحة أعجلهم الهرب عن حملها، وأحاطوا بقصر الديماس يقاتلونه والأسطول في البحر يعاين ذلك ولا يستطيع اغاثة من في القصر لكثرة ما اجتمع في البر من عساكر المسلمين، فلما علموا أنهم غير قادرين على انقاذ (¬23) من في القصر أقلعوا عائدين إلى صقلية، وأقام المسلمون يقاتلون من حصل بقصر الديماس منهم إلى أن اشتد عليهم الحصار وفني ماؤهم وطعامهم فخرجوا منه ليلة الأربعاء لرابع عشر من جمادى الآخرة، فتخطفتهم سيوف الأعراب / فقتلوا عن آخرهم. PageV01P483
وهنئ الحسن بهذا الفتح، ولم يدر ما تحت طيه من المحنة التي خصته وعمت المسلمين لسببه.
ولما أقلع الأسطول إلى صقلية خائبا خاسرا أغاظ لجار ذلك، ثم اتفق باثره أن وصل أسطول الملثم من المغرب وقائده محمد بن ميمون، فعاث في بلاد لجار وقتل وحمل نساءها سبيا إلى بلاده، وكان لجار كلما وصله أسطول من المغرب إلى بلاده نسبه إلى الحسن فعزم العزم المصمم على غزو المهدية وأنشأ في ظاهر الأمر بينه وبين الحسن صلحا وفي نفسه ما فيها لتتم خديعته ويتمكن من مراده، وكان بين الحسن وبين ابن عمه يحيى ابن العزيز بن باديس بن المنصور بن الناصر بن علناس (¬24) بن حماد صاحب بجاية من المخالفة ما أوجب أن بعث يحيى في هذه المدة لمحاصرته (¬25) بالمهدية أسطولا في البحر وجيشا في البر، قائده مطرف بن علي بن حمدون الفقيه، فحصر المهدية بحرا وبرا ونزل مطرف بن علي بجيشه بظاهر زويلة فاستمد الحسن لجار فأمده بأسطول، فعلم مطرف بذلك فارتحل عن المهدية مسرعا، وكانت للجار جواسيس بالمهدية فكتبوا إليه يعلمونه أن بمرساها مراكب قد استوفت وسقها، فأمر جرجير قائد الأسطول المتوجه للنصرة بالهجوم عليها وأخذها ففعل ذلك غدرا وحملها إلى صقلية، ثم هجم بعد ذلك على مرسى المهدية فأخذ منها مركبا كان الحسن قد احتفل به وشحنه بذخائر ملوكية ليوجه بها إلى الحافظ / العبيدي صاحب مصر وكان ذلك المركب يسمى «نصف الدنيا».