ثم قال: وأما هيجانها فكهيجان الأخلاط في الأبدان فإنك ترى صاحب الدم (والصفراء وغيرها) (¬39) (عند نزول حمى أو غيرها) (¬40) يهتاج به الخلط ثم يسكن قليلا قليلا، (فللبحر مواد تمده حالا فحالا فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا قليلا) (¬41) وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بعبارة لطيفة فقال: إن الملك الموكل بالبحر يضع رجله في البحر (¬42) فيكون منه المد ثم يرفع فيكون منه الجزر. انتهى (¬43). قلت: ولا مانع من إرادة الحقيقة إذ العقل يجيزه، وما أخبر به الصادق ولم يكن لحمله على حقيقته وظاهره مانع فالحمل عليه أولى، أما مع وجود المانع الصارف فالعمل على مقتضاه واجب، ثم أن في الخمس الأول (¬44) من الشهر والعشر الوسطى والخمس الأخيرة يقوى المد والجزر، وتسمى تلك الأيام أيام حياة البحر وفيما عدا (¬45) ذلك يقل ذلك فتسمى تلك الأيام أيام موته، وهذا الجزر والمد لا يظهر غاية الظهور إلا في أقاصير البحار، ولصيادي السمك خبرة زائدة بذلك، لأن اصطيادهم يتيسر في مدة الحياة، لأن السمك يدخل مع قوة دخول الماء فيحصل فيما نصبوا (¬46) له من الأعمال المعدة لاصطياده، فإذا جزر الماء نزلوا فأخذوا ما حصل (¬47) في مصائدهم (¬48)، والظاهر أن PageV01P048 هذه الحياة والممات راجعة بعد مراعاة التدبير الإلاهي إلى القمر، والسر فيه أن القمر إذا كان في غاية امتلائه، وذلك في العشر الوسطى أو غاية نقصانه وذلك في الخمس الأولى والخمس الأخيرة حصلت الحياة وإذا (¬49) كان بين بين، وهو فيما سوى ذلك حصل الموت، فسبحان من جعل لكل شيء قدرا {ذلك تقدير العزيز العليم} (¬50).
حدود البحر الشامي:
وأما تحديد هذا البحر فقد أشار إليه في «نزهة المشتاق» بقوله: وأما البحر الثاني الكبير المعروف بالبحر الشامي فإن مخرجه من البحر المظلم الذي هو في (¬51) جهة المغرب ومبدأه في الاقليم الرابع، ويسمى هناك بحر الزقاق لأن سعته هناك تكون ثمانية عشر ميلا، وكذلك طول الزقاق من جزيرة طريف إلى الجزيرة الخضراء ثمانية عشر ميلا، فيمر مشرقا من جهة بلاد البربر بشمال الغرب (¬52) الأقصى إلى أن يقرب (¬53) بالغرب الأوسط ويصل إلى أرض افريقية إلى وادي الرمل إلى أرض برقة وأرض لوبية (¬54) ومراقية إلى اسكندرية إلى شمال أرض التيه وأرض فلسطين وسائر بلاد الشام إلى أن ينتهي طرفه إلى السويدية (¬55) وهو نهايته، ومن هناك ينعطف البحر راجعا إلى جهة المغرب فيتصل بالخليج القسطنطيني إلى جزيرة بلبونس برزنة وهناك يخرج الخليج البنادقي ويتصل إلى مجاز صقلية إلى بلاد رومية إلى بلاد سغونية (¬56) إلى أربونة. ويجتاز بجبل البركات (¬57) فيمر بشرقي بلاد الأندلس إلى جنوبي وسطها وينتهي إلى الجزيرتين من حيث بدأ.
وطول هذا البحر الشامي من ابتدائه إلى انتهائه ألفا (¬58) فرسخ ومائة وستة وثلاثون PageV01P049 فرسخا وفيه من الجزائر نحو مائة جزيرة بين صغار وكبار ومعمورة وخالية، ويخرج من هذا البحر الشامي خليجان أحدهما خليج البنادقيين ومبدؤه من شرقي بلاد قلورية من بلاد الروم من عند مدينة أذرنت (¬59) فيمر في جهة الشمال مع تغريب يسير فيمر بأرض ماري إلى ساحل شنت أنجل (¬60) ثم يأخذ في جهة المغرب إلى بلاد أنكونة إلى أن يمر بساحل البنادقة، وينتهي طرفه إلى بلد انكلاية، ومن هناك ينعطف ريفه راجعا مع المشرق إلى بلاد جراوسه (¬61) وطاسية وبلاد أسقلونية إلى أن يتصل بالبحر الشامي من حيث ابتدأ.