«وانما (¬121) سموا ملثمين لأنهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، وذلك سنة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف، وقيل سموا ملثمين لأن حمير الذين هم أصلهم، كانت تتلثم PageV01P448 لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك فيهم حتى صار يفعله عامتهم، وقيل سبب ذلك أن قوما من أعدائهم / كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال، وأن يقعدوا هم في البيوت متلثمين في زي النساء، فاذا أتاهم العدو ظنوهم نساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فمن ثم لازموا اللثام»، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم لمراده، لا اله غيره، وقد يسمون بالمرابطين لكثرة غزوهم ورباطهم. PageV01P449
المقالة الثامنة
في ذكر دولة الموحدين وأمرائهم بالعدوة والأندلس وافريقية
وفيها ثلاثة أبواب
الباب الأول
في أول ملوكها ومن بعده من الملوك
المهدي بن تومرت:
أقول: إن أول من قام بهذه الدولة وثبت هذه الدعوة محمد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان (¬1) بن صفوان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن [بن الحسن] (¬2) بن علي بن أبي طالب (¬3)، «وقيل إنه محمد بن عبد الله بن تومرت» (¬4) وبقية النسبان PageV01P451 الحسن، وهو المنعوت بالمهدي، مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة (¬5)، وقيامه بالدعوة سنة خمس عشرة وخمسمائة (¬6)، وساح بالمشرق مدة ولقي أبا حامد الغزالي وأخذ عنه، وذكروا أن أبا حامد كان يتفرس فيه، ومولده «عند ابن خلكان سنة أربع وثمانين (¬7)، وعند الغرناطي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، / وقرأ بقرطبة على القاضي ابن حمدون، ثم ارتحل إلى المهدية فأخذ عن الامام المازري، ثم انتقل إلى الاسكندرية وهو ابن ثماني عشرة سنة فأخذ عن الامام أبي بكر الطرطوشي، ثم انتقل إلى بغداد فأخذ عن الامام الغزالي، ولما وصل كتاب الأحياء إلى المغرب أشار من أشار على الملك المتولي على لمتونة بتمزيقه فبلغ ذلك الغزالي فقال: اللهم مزق ملكهم، فقال له [المهدي] على يدي يا سيدي؟ فقال له على يدك (¬8) فأكدت هذه الدعوة ما في علم المهدي من ذلك، فتوجه المهدي إلى المغرب بعد أن قام (¬9) بالمشرق خمسة أعوام» (¬10).
وقال ابن خلكان (¬11): «وهو من جبال السوس من أقصى بلاد المغرب، ونشأ هنالك، ثم رحل إلى المشرق طالبا للعلم، فانتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي، والكيا الهراسي (¬12)، والطرطوشي وغيرهم، وحج وأقام بمكة مدة (¬13) وحصل طرفا صالحا من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين.
وكان ورعا ناسكا متقشفا كثير الإطراق بساما في وجوه الناس، مقبلا على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة، وكان شجاعا فصيحا (¬14) لا يتتعتع PageV01P452 في الشرع (¬15) ولا يقنع في أمر الله بغير اظهاره. وكان مطبوعا على الالتذاذ بذلك محتملا للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة شيء من المكروه بسبب ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الانكار، فزيد (¬16) في أذاه، وطردته الدولة، وكان إذا خاف من البطش وايقاع الفعل [به] خلط في كلامه فينسب إلى الجنون / فخرج من مصر إلى الاسكندرية، وركب البحر متوجها إلى بلاده، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب البحر جميعه كرتين، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة، وألزمهم باقامة الصلاة وقراءة أحزاب من القرآن، ولم يزل كذلك حتى انتهى إلى المهدية (¬17)، فنزل بمسجد معلق على الطريق (¬18) فجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة فلا يرى منكرا من آلة الملاهي أو أواني الخمور إلا نزل عليها وكسرها، فتسامع الناس به في البلد، فجاءوا إليه، وقرأوا عليه كتبا من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير يحيى (بن تميم بن المعز بن باديس) (¬19) فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سيمته وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياما يسيرة، وقيل كان دخوله المهدية في مدة علي بن يحيى بن تميم بن المعز، ثم انتقل إلى بجاية فأقام بها مدة وهو على حاله بالانكار، فأخرج منها إلى بعض قراها واسمها ملالة، فوجد بها عبد المؤمن (¬20).