وهذا المستنصر (*) هو الذي دعا له (¬250) بالأندلس الأمير أبو عبد الله محمد بن هود (¬251) ووصلت إليه من قبله الخلعة والراية وغير ذلك من طرائف العراق، وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة (¬252). PageV01P278
المستعصم بالله:
وولي (¬253) بعده ابنه أبو فهر (¬254) عبد الله بن المستنصر ولقب «المستعصم بالله»، فكانت أيامه خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما، وهو آخر الخلفاء العباسية ببغداد (¬255).
فعدة الخلفاء العباسية بعد انقراض بني أمية ثمان وثلاثون وإن ضم إليهم محمد وإبراهيم الأولان كانوا أربعين.
التتار:
وفي سنة ست وخمسين وستمائة تحرك خاقان التتار (¬256) لأخذ بغداد من يد المستعصم بالله، وسبب ذلك أن محمد بن محمد بن عبد الملك العلقمي صار وزيرا للمستعصم، وكان رافضيا سبابا للشيخين، مستوليا على المستعصم عدوا له ولأهل السنة، يوافقهم في الظاهر وينافقهم في الباطن، وكان قصد بتدبيره إزالة خلافة بني العباس وجعل الخلافة في الشيعة، فطمس آثار أهل السنة وأطفأ نورهم، ورفع منار البدعة، فجعل يسعى في توقيف أمرائها وتعمير ديارها وذلك بمكاتبة / هولاكو خان آخر السلاطين المغولية وأولهم جنكز خان (¬257)، كان خروجه سنة تسع وتسعين وخمسمائة (¬258).
وأصل هذا الجنس أنهم ترك رحالة يسكنون الخيام من اللبود لشدة برد بلادهم، PageV01P279 واكثر دوابهم الخيل قوتهم الأرز ولحوم الخيل وألبانها، وكل من ملكهم يسمى خان، وهم من بقايا ياجوج وماجوج، سموا تركا لأن الإسكندر تركهم خارجين عن سد ياجوج وماجوج، قيل مسيرة مساكنهم ثمانية أشهر طولا في مثلها عرضا، متهارجون كالحيوان الهاملة لا يجمعهم دين ولا حاكم، وهم طوائف يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا، يعبدون الأوثان والشمس والنجوم والجن، لباسهم جلود الكلاب، فأول ملوكهم الأخباث، رأس الخبث جنكز خان، اسم قبيلته قتاة.
وفي مسالك الأبصار (¬259) أن جدة جنكز امرأة اسمها مودنجة (¬260) مات زوجها فحملت بعده، فأنكروا عليها، فقالت: كنت ذات يوم فرأيت نورا دخل في فرجي ثلاث مرات، وان في بطني ثلاثة ذكور، فوضعت ثلاثة كما قالت، فصدقوها، أحد الثلاثة اسمه برقد (¬261)، والثاني قونا (¬262)، والثالث نجعو (¬263) وهو جد جنكز خان (¬264)، وابتداء أمره أنه خدم عند ملوك الخطأ المسمى أزبك خان (¬265)، فقربه وأدناه فحسده الوزراء حتى أثر كلامهم فيه، فتبعه حتى كبر أزبك خان فقتله واحتوى على جميع كنوزه سنة تسع وتسعين وخمسمائة (¬266)، ثم تقوى فقصد ملك الصين بعدد كالرمال، فقبض عليه سنة / إحدى وستمائة (¬267)، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب، فأسس قواعد سياسته يذعن لها العقلاء، ثم قهر ملوك الأرض قياصرة وأكاسرة، وعسكره من كل PageV01P280 ملة، وكان يعظم علماء كل ملة مسلمين ويهود ونصارى ومجوس، فلم يتعرض لأحد في دينه، ولم يكن لقومه ملة ولا كتاب، فأمر أكابره فوضعوا له قلما يسمى «قلم العقل»، وجعلوا له كتابا يسمى «إلياسي الكبير»، فجعل له ملة على ما خيل له شيطانه، فمن أحكامه صلب السارق وخنق الزاني، وان شهد عليه واحد، وان السابق بالشكوى على الحق مطلقا، واستعباد الأحرار، وعدم العدة، ونكاح الرجل ما شاء فلا ينحصر في أربع، والأخذ بقول الجواري والصبيان، وغير ذلك من الأوهام، وكرسي مملكته قراقروم، ولما استقر أمره توجه لمحاربة السلطان خوارزم شاه (¬268) من سلاطين الخلفاء العباسية، وقاتله مرارا حتى غلبه وقتله (¬269)، ثم خرج بعساكره المختلطة من كل الأديان واستولوا على ما توجهوا إليه من بلاد الإسلام حتى انتهوا إلى بخارى سنة سبع عشرة وستمائة (¬270)، فجمع العلماء والعباد والصلحاء والزهاد، ودخل جنكز خان المدينة حتى انتهى إلى باب الجامع فقال: هذا بيت السلطان لما رأى من حسنه، فقالوا: بل بيت الرحمان فنزل عن دابته وكذلك جماعته، واستدعى الخمور والطبول والمزامير، فجلس مع كفاره في مجالس العلم والعلماء واستمروا على شرب الخمور، والعلماء حاضرون مقهورون، ثم أدخلوا الخيل / إلى المسجد الجامع وربطوا لها مرابط وبقيت الكتب والمصاحف تحت أرجل الخيل والحمير والبغال، ثم استخلص مال الناس وأمر بقتلهم وأسر النساء والأطفال، ثم أمر بالنهب وهدم البلاد، ثم توجهوا لسمرقند وفعلوا بها كذلك، ثم استمر على عراق العجم فأهلكوا أمهات الأمصار فضلا عن القرى ثم مات جنكز الخبيث بعد ما أهلك الأرض سنة أربع وعشرين وستمائة (¬271)، ومدة ملكه ثلاثة وعشرون سنة.