أبو جعفر المنصور:
وولي بعده الخلافة أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وهو أسن من السفاح. بويع له بعهد من أخيه سنة ست وثلاثين، وكان ظلوما غشوما، وهو أول من أدخل الفتنة بين العباسيين والعلويين / وقتل الأخوين محمدا وإبراهيم ابني محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم - وكانا خرجا عليه (¬31) وآذى PageV01P242 بسببهما خلقا كثيرا من العلماء قتلا وضربا ممن أفتى بجواز الخروج عليهم، منهم الإمام أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأكرهه على القضاء فأبى، فسجنه فمات في السجن (¬32)، وقيل إنه سمه في السجن لكونه أفتى بالخروج عليه، ويسمى لبخله أبا الدوانيق فيحاسب العمال والصناع على الدانق (¬33) والحبة (¬34).
ومن مساوئه قتل أبي مسلم القائم بدعوتهم لأسباب غيرت قلبه عليه، ولما عزم على قتله تحير في الإستبداد برأيه في أمره والإستشارة فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ فقال {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (¬35). فقال حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذنا واعية.
ولم يزل المنصور يخدع أبا مسلم حتى أحضره إليه. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل في بلاد الروم، وكان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى، ولم يخطر ببال أبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى أنها بلاد الروم، فلما دخل على المنصور رحب به، ثم أمره بالإنصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الفرصة والغوائل، ثم إن ابا مسلم ركب إليه مرارا، فأظهر له التحنن، ثم جاءه يوما فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد / تحت الرواق ورتب المنصور جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يخرجون، فإذا ضرب يدا على يد خرجوا وضربوه بسيوفهم، ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلم فرد عليه السلام وأمره بالجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت فقال أبو مسلم: ما يقال لي هذا بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحضنا، ولو كانت مكانك سوداء لعملت عملك، ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي، وعدد عليه أشياء فأخذ أبو مسلم يعرك يده ويفتلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم فخبطوه بأسيافهم، والمنصور يصيح: إضربوه، PageV01P243 قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك قال: لا أبقاني الله أبدا، وأي عدو أعدى منك! فقتلوه (¬36). وكانت ولادة أبي مسلم سنة مائة (¬37) من الهجرة، وقتل يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة (¬38) وقيل غير ذلك.
فكان المنصور أسدا شهما ذا علم وتدبير فارس الدولة، ولم يبق له ضد، وحج غير مرة، فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف آخر الليل، يطوف ويصلي على عادته، ويرجع ولا يعلم أحد، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة فيجيء المؤذنون / ويسلمون عليه ويؤذنون للفجر ويقيمون الصلاة فيخرج ويصلي بالناس، فخرج ذات ليلة بالسحر وشرع يطوف، فبينما هو كذلك إذ سمع رجلا عند الملتزم يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فأسرع المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه من كلامه، ثم خرج من الطواف إلى ناحية من المسجد ثم أرسل إلى ذلك الرجل يطلبه فجاء وصلى ركعتين وقبل الحجر، وأقبل مع الرسول وسلم على المنصور فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فو الله لقد حشوت مسامعي ما أقلقني وأمرضني، وأشغل خاطري، فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي وأصغيت إلي بأذن واعية أنبأتك بالأمور من أصلها وإلا احتجبت عنك بقدرة الله تعالى فلا تصل إلي واقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل عن غيري، فقال: أنت آمن على نفسك، فقل: إني ألقي إليك السمع وأنا شهيد بالقلب، فقال: إن الذي داخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق ومنع من إصلاح ما ظهر من الفساد والبغي في الأرض هو أنت، فقال: أيها الرجل كيف يداخلني الطمع والصفراء والبيضاء بيدي، والحلو والحامض في قبضتي، ومن يحول بيني وبين ما أريد من ذلك. فقال: هل داخل الطمع أحدا من الناس ما داخلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله - عز وجل - استرعاك أمور المسلمين وأنفسهم / وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجميع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم PageV01P244 حجابا من الحجر والطين، وأبوابا من الخشب والحديد وحجابا (¬39) معهم السلاح، واتخذت وزراء فجرة وأعوانا ظلمة، إن نسيت لا يذكروك، وإن أحسنت لا يعينوك، وقويتهم على ظلمهم للناس بالأموال والسلاح والرجال، وأمرت أن لا يدخل عليك غيرهم من الناس، ولم تأمر بايصال المظلوم إليك، ومنعت من إدخال الملهوف عليك، وحجبت الجائع والعاري (¬40)، وما أحد منهم إلا وله حق في هذا المال، فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم (¬41) لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت أن لا يحجبوا عنك يقولون في أنفسهم: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوه، ولا يخالف أمرهم عامل إلا أقصوه (¬42) عنك وأبعدوه، فلما انتشر (¬43) ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم (¬44) وأكرموهم وهادوهم، وكان أول من صانعهم وداراهم عمالك بالأموال والهدايا والرشا، فتقووا بها على ظلم رعيتك ليظلموا من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالظلم والغشم، وزاد بغيهم وطمعهم وكثر فسادهم فصار هؤلاء شركاؤك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاءك متظلم حيل بينه وبين الوصول إليك، وإن أراد رفع قضيته إليك وصرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا (ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر بعينك ولا ترحم) (¬45) فإن سألتهم / عنه قالوا: أساء معنا الأدب فأدبناه، وجهل مقامك فضربناه (فما بقاء بالإسلام) (¬46) على هذه المظالم والآثام، فإني سافرت لأرض الصين فقدمتها وقد أصاب ملكهم آفة أذهبت سمعه، فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: لم تبكي لا بكت عيناك؟ فقال: أنا لا أبكي على فقد سمعي، ولكن أبكي على المظلوم يصرخ ببابي يطلب رفع ظلامته فلا أسمع صوته وحسه، وحيث ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، فنادوا في الناس أن لا يلبس الأحمر إلا مظلوم لأميزه بالنظر فأعينه، وكان يركب الفيل كل يوم ليرى المظلوم ليستدنيه ويرفع عنه ظلامته، أنظر يا PageV01P245 مسكين هذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على رأفتك بالمسلمين، وأنت تؤمن بالله وابن عم نبيه، وإن الأموال لا تجمع إلا لأحد أمور، فإن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل، يخرج من بطن أمه عريانا ما له على وجه الأرض مال، وما من مال إلا وله يد شحيحة تحويه وتصونه من كل أحد، فما زال الله يلطف بذلك الغلام حتى يسوق إليه ما قدره له من المال فيملكه ويحويه كما حواه غيره، ولست الذي تعطي، بل الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وإن قلت أجمع المال ليشتد به سلطاني فقد أراك الله عبرا فيمن كان قبلك، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب / والفضة وما أعدوا من السلاح والكراع، وما أضرك ما كنت فيه، فو الله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلا بالعمل الصالح، واعلم انك لا تعاقب أحدا من رعيتك إذا عصاك بأعظم من القتل، وإن الله يعاقب من عصاه بالعذاب الأليم، وإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فكيف يكون وقوفك غدا (¬47) بين يدي الله وقد نزع ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب، هل يغني عنك ما كنت فيه شيئا؟ قال: فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت، ولم أر من الناس إلا خائنا؟ قال: يا أمير المؤمنين عليك بالأعلام الراشدين.