يزيد:
وتولى بعده ولده يزيد فكان حائدا عن الصواب والعدل، فهو أول من شرب الخمر جهارا من ملوك الإسلام، واتخذ الملاهي واستحل محارم الله، واختلف في اسلامه وزندقته. قالوا لما ولي يزيد اتفق رأي أهل المدينة على خلعه واخراج من بها من بني أمية، وجعلوا أمرهم إلى عبد الله بن حنظلة، فجهز يزيد إليهم الجيوش وأمر عليهم مسلم (¬7) بن عقبة المري فأحاط بالمدينة ثلاثة أيام، وعطلت الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ عدد من قتل من قريش والمهاجرين والأنصار، ووجوه الناس ألف رجل وسبعمائة رجل، ومن سائر الناس عشرة آلاف رجل سوى النساء والصبيان. ولم يبق بعدها بدري PageV01P199 من الصحابة. وفي أيامه قتل الحسين ابن الإمام علي (بن أبي طالب) (¬8) - رضي الله تعالى عنهما -، وذلك أنه لما مات معاوية أرسل أهل الكوفة يستقدمونه فلحق بمكة / ووجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة فخاطبه في القدوم، فتوجه نحو الكوفة وكتب اليزيد إلى عبد الله بن زياد، فخرج من البصرة مسرعا حتى لحق بالكوفة، وقتل مسلم بن عقيل والحسين متوجه إلى الكوفة ولا علم عنده، وذلك يوم ثامن الحجة (¬9)، فلقيته خيل عبد الله بن زياد بكربلاء وكاثرته العساكر، فلم يزل يقاتل حتى قتل، وقتل معه سبعة وثمانون من أهل بيته يوم عاشوراء (¬10)، واحتملت نساؤه أسارى على الإبل، وبعث إلى يزيد برأسه.
وأراح الله الخلق من يزيد الخبيث لأربع عشرة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين (¬11).
بقية خلفاء بني أمية:
ثم تولى بعده ولده معاوية بن يزيد بعهد من أبيه، وهو ابن عشرين سنة، فلبث فيها أربعين يوما محتجبا مستخيرا، وكان زاهدا منقبضا، ثم خرج وجمع الناس وترك لهم خلافتهم ومضى لأيامه.
فقام (¬12) بعده مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية في أربع وستين (¬13) وهو ابن اثنين وستين (¬14) سنة، فمكث تسعة (¬15) أشهر وأياما.
وصار الأمر إلى ولده عبد الملك بن مروان، وهو أبو الملوك الأموية، وصاحب السياسة ودعا على عهده لنفسه عبد الله بن الزبير بالحجاز وما يليه، واستقامت له الخلافة، ودخل في أمره العراق، وبعث إليه عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي (¬16)، PageV01P200 فحاصر مكة ورمى البيت بالمجانيق ودخلها لخمسين ليلة / من حصاره، وقاتل عبد الله بن الزبير بإزاء البيت حتى قتل يوم الثلاثاء لأربع عشرة من جمادي الأولى (¬17) سنة ثلاث وسبعين (¬18). وصلب الحجاج جثته وكذا عمر بن سعيد بن العاص، دعا لنفسه بدمشق.
وقد خلفه عبد الملك بها، فكر إليها واستنزله عن صلح ثم اغتاله فقتله، وكذا ابن الأشعث بن قيس، فخلع طاعته، وتوجه إليه الحجاج، والتقيا بدير الجماجم، فكانت الدائرة على ابن الأشعث سنة نيف وثمانين، فتفانى فيها الخلق، ثم لما ساءت طاعة أهل العراق قلده الحجاج فكان من أمره ما هو مشهور. وفي مدة عبد الملك كان معظم فتوحات المغرب كما يأتي - إن شاء الله تعالى - وتوفي عبد الملك بدمشق يوم السبت لأربع عشرة من شوال سنة ست وثمانين (¬19).
وتولى بعده ولده الوليد بن عبد الملك (¬20) فكان ملكا عظيما، فارس بني أمية، وولى موسى بن نصير افريقية، وأغزاه الغرب الأقصى، وأجاز البحر مولاه طارقا ففتح الأندلس. ومات الوليد بدير مروان. ودفن بدمشق منتصف جمادى الأخيرة سنة ست وتسعين (¬21).