نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار
تأليف
محمود مقديش
تحقيق
علي الزواري - محمد محفوظ
دار الغرب الإسلامينزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار تأليف محمود مقديش تحقيق علي الزواري - محمد محفوظ دار الغرب الإسلامي ----NO PAGE NO------ بسم الله الرحمن الرحيم
تصدير
مضت سنوات منذ أن خامرتنا الفكرة الأولى في تحقيق «نزهة الأنظار» ثم العزم على القيام بهذا التحقيق ومحاولة العمل عليه، فاستحال لعدم حصولنا على نسخة من مخطوطة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بالمدينة المنورة وهي ضرورية، ثم الشروع فيه لما تيسرت الظروف وحصلت لدينا نسخة من هذه المخطوطة بفضل صاحب دار الغرب الإسلامي السيد الحبيب اللمسي، جزاه الله كل خير.
ولم يكن استقرار عزمنا بدون تردد، هل هذا الكتاب، الذي طبع بالحجر في سنة 1321/ 1903 م، لما كانت الطباعة والنشر في تونس في الخطوات الأولى، يستحق ترك مشاغلنا وتخصيص كل أوقاتنا له، والعناء الطويل، لينشر بين الناس باحثين وقراء؟
وللمختصين، آراء مختلفة في «نزهة الأنظار»، وبعضهم ممن تباحثنا معهم في الموضوع يرون فيها أثرا لا يستحق الإهتمام والجهد والنشر لإعتبارهم أن مؤلفها نقل عن غيره دون اجتهاد من نفسه، ولا يمكن فعلا لأي قارئ أن يكون له غير هذا الرأي إن اكتفى بتقليب الجزء الأول من هذا الأثر، ومع ذلك خالف الصغير نور الدين هذه الآراء. وقال: «إن النقل الذي قام به مقديش من المصادر التي كتبها أسلافه جعلته يكتب كتابا رائعا ممتازا» (¬1).
وعند بقية الناس، في مدينة صفاقس، خاصة يعتبر هذا الكتاب من النفائس المفقودة المطلوبة - وكل مفقود نفيس - ويعتبره هؤلاء الناس، معدن أخبار صفاقس ورجالها وعائلاتها، ومن له نسخة أو وريقات منه صار يعتز بها، PageV00P005 ويخفيها، ويتباهى بها، ويضن بها على من شوقوه إليها، فصار الكتاب أسطورة.
وتعطش الناس إليه توالى على مر الزمن، ومرجعه إلى فقدانه من أصله، إذ صادرته الحكومة التونسية لما ظهر، ولعل سبب ذلك ما أبداه مؤلفه فيه من تقدير لعلي باشا الأول المنازع لسلطة عمه حسين بن علي وذريته، حكام تونس، فقال كراتشكوفسكي في ذلك: «ويبدو أنه قد مس مسائل معاصرة لأن حكومة تونس صادرته على الفور ولم ينشر الكتاب» (¬2). وكتب أحمد بن أبي الضياف عن قلة انتشار تآليف مقديش رغم معرفة الناس له فقال: «وكتب تاريخه المعروف ولم نر تآليفه لأنها لم تصل إلى حاضرة تونس» (¬3)، وكما قال محمد مخلوف في نفس الإتجاه: «وتاريخه غالبه في صفاقس وعلمائها» (¬4).
ويرجع تعطش الناس إلى هذا المؤلف أيضا إلى مادة الكتاب، فالمؤلف أرخ لمدينته، بناء على طلب كما ذكر في مقدمته، وفي اتجاه معين يستجيب لميول دينية، وبطولية وملحمية، وخرافية كما نفهم من اختياره، وتقصيره أو تمديده لمختلف مواد الكتاب، ويستجيب لمستويات متوسطة في الفهم والثقافة باستعمال لغة بين العامية والفصحى، فنزهة الأنظار كتاب تاريخ، وأسطورة، ومعتقد ديني، وأخبار اجتماعية، يقرأ ويحكى، الوحيد في شكله الذي يداعب شعور أهل صفاقس ويستجلبهم للبحث فيه عن ذاتهم وأصولهم، لعدم مزاحم له.
وشغف الناس بالمفقود، وارضاء طلباتهم المتكررة لنشره، سبب من الأسباب التي دعتنا لتحقيقه، وليس السبب الوحيد ولا الأساسي، فالذي دعانا إلى تحقيقه أساسا، وإرضاء رغبات الناس في آن واحد، سببان متكاتفان: