فالرأي للعاقل أن يحذر مكرها، ويخالف أمرها، ولا سيما إن أمرته بقطع رحم القرابة والأدب، أو رحم الصحبة أو الحرفة التي كل منها كلحمة النسب، والمرء قليل بنفسه كثير بالإخوان، والرحم مشتقة من الرحمن، ولهذا يصل من وصلها، وينفصل من فصلها، وخير الناس من جنح إلى الصلح، ولم يداو جرحا بجرح. كما قال الشاعر:
داوي جوي بجوي وليس بحازم ... من يستنكف النار بالحلفاء
وقال آخر:
من يشف من داء بآخر مثله ... أثرت جوانحه من الأدواء
وقال الآخر:
وما كنت إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذما
والحزم فيما قاله الشاعر:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي.
على أن الدنيا دار زوال، ومنزلة ارتحال، ولا يليق بالعاقل أن ينافس فيما يزول، ويوجه آماله إلى ما للفناء يؤول. كما قيل:
منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل
ولا يغتر الفتى بقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوة ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
بل يتأمل قول الآخر:
قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق
أبقيا ما استطعتما فسيرمي ... بين شخصيكما بسهم فراق
ولقد استعاذ النبي (صلى الله عليه وسلم) من جار السوء قي دار المقامة، إشارة إلى أن جار الدنيا يتحول عنك أو تتحول عنه وإنه لا يليق الضجر منه ولا السآمة، ومن المعلوم أن الدنيا إن بقيت لها لم تبق لك،، فطوبى لمن جعلها قنطرة لآخرته فمر بها على هذا القصد وسلك، وويل لمن اغتر بسكونها وهي تمر مع السكون، وظنها شرابا ولو اختبرها لم يجدها غير آل وسراب، ويا سعادة من أقصر، عندما أبصر، واعتبر، لما اختبر، فالدهر أفصح مؤذن بالزوال، وأفضح مؤذن بالارتحال.
فلما سمع الماء ما قلناه من الكلام، وتأمل ما فيه من منثور النثر وقلائد النظام، تموج وتأود، ورغا وأزبد، وجرى واضطرب، وعبس بعد القهقهة وقطب، وقال يا معشر الأكابر، أما بلغكم قول الشاعر:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فلا رأى للمضطر إلا ركوبها
وقول الآخر:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
وقول الآخر:
وظل ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وقول السفاح وهو أول من وطد الخلافة العباسية حين قتل بنو عمه بني أمية:
تفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وإن كانوا أعق والأما
أمل عرفتم أن الأخ المعاند، كالعضو الزائد، يشين الذات، ويمنع اللذات، فقطعه من الرشد، وإن آلم الجسد، هذا ولا يغر الهواء صفائي فكم تكدرت، ولا يثق بسلاستي فكم انعقدت واستحجرت، والذي جمعت في صفائي الأضداء، كما قال الشاعر وأجاد:
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
وحسبك ما قاله الشاعر، (كالماء فيه الحياة والغرق)، فإن زعم الهواء أن له علي فضيلة، فليعرضها على أسماعكم غير متعلل بعلة ولا متحيل بحيلة.
فقلنا: نعوذ بالله من اجتماع النفس والهوا، فمن رام منكما أن يتكلم فليجعل منبر الفخر له مستوى.
فعند ذلك ثار الهواء وله غبار، وصعد منبر الفخار، وقال: الحمد لله الذي رفع فلك الهواء، على عنصر التراب والماء، ونفخ في آدم من روحه وعلمه جميع الأسماء. أما بعد - فمن عز مني فقد اكتفى، ومن جهلني فسأبدو له بعد الغفا، أنا
الهواء الذي أؤلف بين السحاب، وأنقل ريح الأحباب، وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب، نصر الله بي محمدا وصحبه الأمجاد، وأهلك الله بي قوم عاد، وأنا الذي تم بي ملك سليمان، وأجري الماء في خدمتي لكل مكان، وسيربي الفلك في البحر كما تسير العيش في البطاح، وأطار بي في الجو كل ذات جناح، وأنا الذي ألعب بالطرز فوق الغرر، كما ألعب بلحي الجبابرة من البشر، وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القناة والشبان في الثعبان، وأنا الذي أميل قامات الأغصان، وأدنى عارض الغيث وعذار الآس من خد الشقيق وشارب الريحان، إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهو، وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو، لا أتلون مثل الماء، المتلون بلون الإناء، لولاي لما عاش كل ذي نفس، ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس، ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان، ولا غرد طائر على غصن بان، ولولاي ما سمع قرآن ولا حديث، ولا عرف طيب المسموع والمشموم من الخبيث،