بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لمن خلق العناصر، وجعل لكل منها فضلا تعقد عليه العناصر، وصلاة وسلاما على الجوهر الفرد الذي منه عرض العالم، ومن هو في الدارين سيد بني آدم، وعلى آله وصحبه، ومن تعلق بحبه، ما اكتحلت عيون الطروس بمراود الأقلام، وقلدت نحو الدروس بعقود ألفاظ العلماء الأعلام.
وبعد - فإن الفكر والخيال، دخلا بي إلى رياض ضاع زهرها فنم عليه النسيم ودار عليه الماء الزلال، أكلها دائم وظلها، كأنما قابلت مرآتها جنة النعيم فانطبع فيها مثالها وشكلها، فتلقتنا عوديات طيورها بالصدح، ومجامر كمائم ورودها بالنفح،
وزهرها بثغر باسم ونهرها بقلب صافي، وأدواحها ببسط بساط البسط من ظلها الضافي، وقامت لنا الأشجار على سوقها، وسفرت لنا عرائس الورود عن لثام غبوقها، وأدارت علينا سلاف طلها كؤوس الزهور، قبل أن ترشفه شمس البكور، وحيتنا راحة الراحة والسرور، بأصابع المنثور، وغنت لنا مطوقات شواديها على العيدان، وأعربت وهي عجماء بفنون تمايلت لها قدود الأفنان، حتى لو سمعها ركب العشاق على النوى لنسي الحجاز والعراق وتمنى الدخول لذلك البستان، ورقصت بين أيدينا جواري الماء، وظهرت مع وجود شموسنا وبدورنا نجوم النبات حتى ظنناهم نجوم السماء، ولاح لنا عرض الغيث وشارب الآس فأذكرنا العيش السالف، وطاف النسيم بكعبة صفانا طوف القدوم فما كان ألطف ذلك الطائف.
غير أننا كنا نسمع محاورة، ضمنها منافرة ومفاخرة، فسألنا الرياض عن جلبة الأثر، فقالت سلوا النسيم فقد أصبح عند النسيم الخبر، فوجهنا وجه السؤال الوسيم، إلى قبلة النسيم، فتدلى وتدلل، وما ألطف النسيم إذا تعلل، ثم مر بنا مقبلا ومقبلا، هذا وكلما مرحلا، وقال: يا أهل الفراسة والسياسة، والفتوة والمروة والحماسة، إنها منافسة بين الماء والهواء أوجبها حب انفراد كل منهما عن صاحبه بالرياسة،
فهل تنعمون بحضورهما لديكم، ومثولهما بين يديكم، ليعرض كل ماله من حسن الأوصاف، وتحكموا بينهما بالعدل والإنصاف،
فقلنا: لا نكره ذلك ولا نأباه، فهلم بهما إلينا لنرفع ما بينهما من الاشتباه، فشمس الحق لا يحجبها حجاب الباطل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل، فلم يزل الحق أبلج، والباطل لجلج، وحسبك قول خالق الخلاق، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.
فعند ذلك سرى النسيم إليهما مسرى النوم في الأجفان، والروح في الأبدان، والراح في الندمان، فأتي بهما وهو يتبسم ويتنسم ويتسنم، فحيا كل منهما وسلم، فقلنا: وأنتما حييتما بالسلام، وحييتما ما عطس الفجر ودب الظلام، فإنكما أعظم دعائم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وأنتما الشقيقان اللذان لم يوجد لهما ثالث في عالم الإمكان، فهل ولج بينكما ذو نفاق، حتى صدر منكما هذا الشقاق، أو ذاك من دسائس النفس الأمارة، ووساوس تلك العدوة الغدارة الغرارة، التي لا تأمر إلا بالبشر، ولا تصبو إلا إلى الضو، كيف لا وهي عروس إبليس، ومصدر أفعال التدليس والتلبيس، أعدى العدى، وسبب الردى، قال لها الحق أقبلي فأدبرت، وأعرضت عن جنابه واستكبرت، وحتى ألقاها في الجوع، وألجأها به إلى الذل والخضوع، فالشر في إهمالها، والخير في أعمالها وإذلالها، فمن أطاعها ندم، ومن عصاها سلم، ومن قهرها بالجهاد فهو بطل، ومن ملكها من مدينة جسمه خرب نظام إنسانيته وبطل،