ولما ذكر حال المنافقين، ذكر حال المشركين، لاشتراكهم فى الكفر، فقال:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 63 الى
68]</span>
يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67)
ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68)
يقول الحق جل جلاله: يسئلك الناس عن الساعة، كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام- أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: قل إنما علمها عند الله، لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا.
وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان.
إن الله لعن الكافرين أبعدهم عن رحمته، وأعد لهم سعيرا نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، خالدين فيها أبدا، وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و (خالدين) : حال مقدرة من ضمير «لهم» . لا يجدون وليا يحفظهم، ولا نصيرا يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك يوم تقلب أو: واذكر يوم تقلب وجوههم في النار تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة «1» من اللحم تدور PageV04P464
في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة.
حال كونهم يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم.
وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب «ساداتنا» بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، فأضلونا السبيلا أي:
أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. ربنا آتهم ضعفين من العذاب أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، والعنهم لعنا كبيرا «1» كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد.
الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل: