وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية، كيف لم يعرفوا الإلهية إذا أقروا بالربوبية، هل هو كذا أو كذا أو غير ذلك؟ فهو لمجموع ما ذكرت وغيره. وأعجب من ذلك، ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم يشرح "البردة" ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك، ويموت ما عرف ما خرج من رأسه؛ هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا رسولا ولا إلها.
وأما كون "لا إله إلا الله" تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك: وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله؛ بل هذا مذهب الخوارج. فالذي يقول: الأعمال كلها من "لا إله إلا الله"، فقوله الحق. والذي يقول: يخرج من النار من قالها وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة، فقوله الحق. السبب مما ذكرت لك من التجزي؛ وبسبب الغفلة عن التجزي غلط أبو حنيفة وأصحابه في زعمهم أن الأعمال ليست من الإيمان. والسلام. PageV01P122
الرسالة التاسعة عشره: رسالته إلى محمدبن عبيد وعبد القادر العديلي
...
-2- الرسالة التاسعة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصا محمد بن عبيد، وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل، وصالح بن عبد الله.
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلينا على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل والشرع التام؛ وأعظم ذلك وأكبره وزبدته هو: إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك؛ وهو أن لا يدعى أحد من دونه من الملائكة والنبيين، فضلا عن غيرهم. فمن ذلك أنه لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له. وجميع العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له.
وهذا معنى قول: "لا إله إلا الله"؛ فإن المألوه: هو المقصود المعتمد عليه؛ وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه. فمن عرف هذه المسألة، عرف أن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم.
والكلام في هذا ينبني على قاعدتين عظيمتين:
القاعدة الأولى: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون الله ويعظمونه، ويحجون ويعتمرون، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر،
إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} 1 الآية. فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فاعرف:
القاعدة الثانية: وهي أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلها، ولا يعني بذلك أنه يخلق أو يرزق، بل يدعون الملائكة وعيسى ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا: الذي فيه سر، والذين يسمونه الفقراء شيخهم، يعنون بذلك أنه يدعى وينفع ويضر، إلا أنهم 2 مقرون لله بالتفرد بالخلق والرزق. وليس ذلك معنى الإله بل الإله المقصود المدعو المرجو، لكن المشركون في زماننا أضل من الكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين: