والمقصود أن الله جعل للشقاوة والسعادة عنوانا يعرفان به، وقد يكون في الرجل مادتان، فأيهما غلبت عليه كان من أهلها، فإن أراد الله بعبده خيرا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار. وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد في داره PageV01P008
بخبائثه، فيدخله النار طهرة له، وإقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها.
ولما كان المشرك خبيث الذات، لم تطهره النار، كالكلب إذا دخل البحر.
ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث، كانت النار حراما عليه، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره، فسبحان من بهرت حكمته العقول.
فصل في وجوب معرفة هدي الرسول
فصل
في وجوب معرفة هدي الرسول ومن ههنا يعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى الرسول فوقها بكثير.
وما ظنك بمن إن غاب عنك هديه، وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي،
وما لجرح بميت إيلام (1)
وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين.
والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء]
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد.
وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة (2) . وكان من أيسر الناس صبا لماء الوضوء، ويحذر أمته من الإسراف فيه، وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا.
وفي بعض الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثا. وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة، وتارة بغرفتين، وتارة بثلاث، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق. وكان يستنشق باليمين PageV01P009
وينتثر باليسرى، وكان يمسح رأسه كله تارة، وتارة يقبل بيديه ويدبر بهما. ولم يصح أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح على ناصيته كمل على العمامة، ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخل بهما مرة واحدة. وقد صرح الإمام ابن القيم في أكثر من موضع من كتبه: بوجوب المضمضة والاستنشاق. وكذلك الوضوء مرتبا متواليا، ولم يخل به مرة واحدة، وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في جوربين أو خفين، ويمسح أذنيه مع رأسه ظاهرهما وباطنهما.
وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه كذب، غير التسمية في أوله، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» في آخره.
وحديث آخر في سنن النسائي «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» ولم يكن يقول في أوله: نويت. ولا أحد من الصحابة ألبتة. ولم يتجاوز الثلاث قط.
وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين. ولم يكن يعتاد تنشيف أعضائه.
وكان يخلل لحيته أحيانا ولم يواظب على ذلك، وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن يحافظ عليه، وأما تحريك الخاتم فروي فيه حديث ضعيف.