بسم الله الرحمن الرحيم
قل أعوذ برب الفلق: معنى أعوذ التجئ وأعتصم وأنحرز.
والفلق: هو نور الفجر الذي يطرد الظلام، وتضمنت هذه السورة:
المستعاذ به
المستعاذ منه
المستعيذ PageV01P007 والمستعاذ به هو: الله رب الفلق ورب الناس الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به ولا يستعاذ بأحد من خلقه، وقد قال الله في كتابه (1) عمن استعاذ بخلقه استعاذته زادته رهقا (2) وهو الطغيان (3)، واحتج أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات الله مخلوقة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعاذ بقول قل أعوذ برب الفلق (4)، وأعوذ بكلمات الله التامات (5) PageV01P008 ، وهو لا يستعذ بمخلوق أبدا والمستعيذ هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1)، وكل من اتبعه إلى يوم القيامة.
وأما المستعاذ منه فهو أربعة أقسام:
الأول:
الشر العام في قوله { من شر ما خلق } وهذا يعم كل شر في الدنيا والآخرة وشر الشياطين من الإنس والجن وشر السباع والهوام وشر النار وشر الذنوب والهوى وشر النفس وشر العمل وقوله: { من شر ما خلق }، أي من شر كل مخلوق فيه شر وليس المراد الاستعاذة من كل ما خلق الله فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر، وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير محض (2).
والشر الثاني:
شر الغاس إذا وقب وهذا خاص بعد عام والغاسق الليل، إذا أقبل ودخل في كل شيء، والغسق الظلمة والوقوب الدخول؛ والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل هو الليل: محل سلطان الأرواح الشريرة وفيه تنشر الشياطين، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محل (3) الشياطين وبيوتهم.
وذكر سبحانه في هاتين الكلمتين الليل والنهار والنور والظلمة فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها وهو سبحانه يدعي بأسمائه الحسنى فيسأل لكل مطلوب بإسم يناسبه.
والشر الثالث: PageV01P009
شر النفاثات في العقد وهذا الشر هو شر السحر فإن النفاثات هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدون من السحر، والنفث هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل وهو مرتبة بينهم والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، واستعان بالأرواح الخبيثة نفث في تلك العقد نفخا معه ريق فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر مقترن بالريق الممازج، وقد تساعد (1) الروح الشيطانية على أذى المسحور؛ فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري.
ولما كان تأثير السحر من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة قال سبحانه: من شر النفاثات، بالتأنيث دون التذكير، وقد دل قوله تعالى: { ومن شر النفاثات في العقد } على تأثير السحر وأن له حقيقة وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام (2)، وقالوا: أنه لا تأثير للسحر لا في مرض ولا في قتل ولا حل ولا عقد قالوا: وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء. PageV01P010
والسحر يؤثر مرضا وثقلا (1) وحلا وقتلا وحبا وبغضا وغير ذلك من الأثار موجود (2)، يعرفه الناس وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به وقوله: { ومن شر النفاثات في العقد }، دليل على أن النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا، كما يقوله هؤلاء لم يكن للنفاثات شر يستعاذ منه، وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر أعين جميع الناظرين مع كثرتهم حتى يروا الشر بخلاف ما هو به مع أن هذا تغير في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغير بعض أعراضهم وطباعهم وقواهم فإذا غير إحساسا حتى يحصل المحبوب إليه بغيضا والبغيض محبوبا وغير ذلك من التأثيرات، وقد قال الله عن سحره فرعون أنهم { سحروا أعين الناس } (لأعراف: 116)، فبين سبحانه أن أعينهم سحرت، وذلك إما أن يكون لتغير حصل في المرى وهو الحبال والعصي (3)، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حركتها وهي الشياطين، فظنوا أنها تحركت بأنفسها وهنا كما إذا جر من لا تراه (4) حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر ولا ترى (5) الجار، فهكذا حال الحبال والعصي قلبتها الشياطين فظن الرائي أنها انقلبت بأنفسها، والشياطين وهم الذي يقبلونها.