ما في غزوة الطائف من الفقه
ما في غزوة الطائف من الفقه فيها من الفقه: جواز القتال في الأشهر الحرم. ونسخ تحريم ذلك.
وفيها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوما واحدا. فإنها شعائر الكفر. وهي أعظم المنكرات. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر لها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، أو أعظم شركا عندها، وبها.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلف وترزق، وتميت وتحيي. وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم. وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، وغلبة التقاليد. وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير. وطمست الأعلام. واشتدت غربة الإسلام.
ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وفيها: صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها. فيجب على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين.
حوادث سنة تسع
فصل
حوادث سنة تسع ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ودخلت سنة تسع، بعث المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب.
وفيها: بعث عليا رضي الله عنه إلى صنم طيئ ليهدمه. فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر. فهدموه. وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء. وفي السبي سفانة أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام. ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف، وثلاثة أدرع. وقسم علي الغنائم في الطريق، ولم يقسم السبي من آل حاتم حتى قدم بهم المدينة.
قال عدي: ما كان رجل من العرب أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، حين سمعت به. وكنت رجلا شريفا نصرانيا. وكنت أسير في قومي بالمرباع. وكنت في نفسي على دين. فقلت لغلام لي راع لإبلي: اعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا. فإذا سمعت بجيش محمد قد وطئ هذه البلاد فآذني. فأتاني ذات غداة، فقال: ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنع الآن. فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها؟ فقالوا: هذه جيوش محمد. قلت: قرب لي أجمالي. فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضرة. فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصيب ابنة حاتم، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ.
وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام. فمر بها. فقالت: «يا رسول
الله، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمن علي. من الله عليك. فقال: " من وافدك؟ . قالت: عدي بن حاتم، قال: " الذي فر من الله ورسوله؟ " - وكررت عليه القول ثلاثة أيام - قالت: فمن علي، وسألته الحملان، فأمر لها به وكساها وحملها وأعطاها نفقة» .
فأتتني. فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها. ائته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته، وهو جالس في المسجد. فقال القوم: هذا عدي بن حاتم - وجئت بغير أمان ولا كتاب - فأخذ بيدي - وكان قبل ذلك قال: " إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي " - فقام إلي، فلقيت امرأة ومعها صبي. فقالا: إن لنا إليك حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما. ثم أخذ بيدي حتى أتى داره. فألقت له الوليدة وسادة. فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «ما يفرك؟ أيفرك (1) أن يقال: " لا إله إلا الله؟ " فهل تعلم من إله سوى الله؟ " فقلت: لا. فتكلم ساعة. ثم قال: " أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ وهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " قلت: لا، قال: " فإن اليهود مغضوب عليهم. والنصارى ضالون "، فقلت: فإني حنيف مسلم. فرأيت وجهه ينبسط فرحا» .