ومنح الله المسلمين أكتاف المشركين. فتناولوهم قتلا وأسرا. فقتلوا سبعين وأسروا سبعين.
وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة: يطلبون المبارزة. فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار فقالوا: أكفاء كرام. ما لنا بكم من حاجة. إنما نريد من بني عمنا. فبرز إليهم حمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعلي بن أبي طالب. فقتل علي قرنه الوليد. وقتل حمزة قرنه شيبة. واختلف عبيدة وعتبة ضربتين كلاهما أثبت صاحبه. فكر حمزة وعلي على قرن عبيدة فقتلاه. واحتملا عبيدة قد قطعت رجله. فقال لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أولى منه بقوله:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل PageV01P155
ومات بالصفراء وفيهم نزلت {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19]- الآية (1) فكان علي -رضي الله عنه- يقول «أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله عز وجل يوم القيامة» .
ولما عزمت قريش على الخروج وذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب. فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك. فقال {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} [الأنفال: 48] فلما تعبئوا للقتال ورأى الملائكة فر ونكص على عقبيه فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ فقال {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} [الأنفال: 48]
وظن المنافقون ومن في قلبه مرض أن الغلبة بالكثرة فقالوا {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] فأخبر الله سبحانه أن النصر إنما هو بالتوكل على الله وحده.
ولما دنا العدو قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فوعظ الناس. وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر وأن الله قد أوجب الجنة لمن يستشهد في سبيله.
فأخرج عمير بن الحمام بن الجموح تمرات من قرنه يأكلهن. ثم قال لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة " فرمى بهن وقاتل حتى قتل فكان أول قتيل.
وأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ملء كفه ترابا فرمى به في وجوه القوم. فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه. فهو قوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] (2) . PageV01P156
واستفتح أبو جهل فقال اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة.
ولما وضع المسلمون أيديهم على العدو - يقتلون ويأسرون - وسعد بن معاذ واقف عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في رجال من الأنصار في العريش - رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في وجه سعد الكراهية. فقال «كأنك تكره ما يصنع الناس؟ قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين. وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال» .
ولما بردت الحرب وانهزم العدو قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟» (1) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه معوذ وعوف - ابنا عفراء - حتى برد. فأخذ بلحيته فقال أنت أبو جهل؟ فقال لمن الدائرة اليوم؟ قال لله ورسوله. ثم قال له هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال وهل فوق رجل قتله قومه؟ فاحتز رأسه عبد الله بن مسعود. ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم -. فقال قتلته فقال " آلله الذي لا إله إلا هو؟ - ثلاثا - ثم قال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده» . انطلق فأرنيه. فانطلقنا فأريته إياه. فلما وقف عليه قال: «هذا فرعون هذه الأمة» .