قوله تعالى {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون - يجادلونك في الحق بعدما تبين} [الأنفال: 5 - 6]- إلى قوله - {ولو كره المجرمون} [الأنفال: 8] (1) .
وسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إلى بدر.
وخفض أبو سفيان. فلحق بساحل البحر. وكتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم. فأتاهم الخبر فهموا بالرجوع. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم بها نطعم من حضرنا ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان. وتسمع بنا العرب. فلا تزال تهابنا أبدا وتخافنا.
فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فلم يفعلوا. فرجع هو وبنو زهرة. فلم يزل الأخنس في بني زهرة مطاعا بعدها.
وأراد بنو هاشم الرجوع. فقال أبو جهل لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع فساروا إلا طالب بن أبي طالب. فرجع.
وسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حتى نزل على ماء أدنى مياه بدر. فقال الحباب بن المنذر: إن رأيت أن نسير إلى قلب - قد عرفناها - كثيرة الماء عذبة فننزل عليها. ونغور ما سواها من المياه؟ وأنزل الله تلك الليلة مطرا واحدا صلب الرمل. وثبت الأقدام. وربط على قلوبهم.
ومشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في موضع المعركة. وجعل يشير بيده ويقول: «هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان إن شاء الله.» فما تعدى أحد منهم PageV01P153
موضع إشارته -صلى الله عليه وسلم -.
فلما طلع المشركون قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - «اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحادك وتكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم أحنهم الغداة» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وبالغ في التضرع ورفع يديه حتى سقط رداؤه. وقال «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد» (1) .
فالتزمه أبو بكر الصديق من ورائه وقال حسبك مناشدتك ربك يا رسول الله. أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك.
واستنصر المسلمون الله واستغاثوه. فأوحى الله إلى الملائكة {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] (2) وأوحى الله إلى رسوله {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] (3) بكسر الدال وفتحها. قيل إردافا لكم. وقيل يردف بعضهم بعضا لم يجيئوا دفعة واحدة.
فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها. وقلل الله المسلمين في أعينهم حتى قال أبو جهل - لما أشار عتبة بن ربيعة بالرجوع خوفا على قريش من التفرق والقطيعة إذا قتلوا أقاربهم - إن ذلك ليس به. ولكنه - يعني عتبة - عرف أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه. PageV01P154
وقلل الله المشركين أيضا في أعين المسلمين ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وأمر أبو جهل عامر بن الحضرمي - أخا عمرو بن الحضرمي - أن يطلب دم أخيه. فصاح. وكشف عن استه يصرخ واعمراه واعمراه. فحمي القوم. ونشبت الحرب.
وعدل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الصفوف. ثم انصرف وغفا غفوة. وأخذ المسلمين النعاس وأبو بكر الصديق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يحرسه. وعنده سعد بن معاذ وجماعة من الأنصار على باب العريش. فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع. ويتلو هذه الآية {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] (1) .