ولا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى , أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى , وكانت بمعزل ... عن الثكل لو أن الفؤاد تفكرا
ولا تك كالعاوي , وأقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد يلبس الأنباط ريطا مقصرا
فلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البيداء (1) يهوين حسرا.
وسمعت قريش قائلا يقول بالليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف
قالوا: من هما؟ قال أبو سفيان: أسعد بن بكر أم سعد بن هزيم؟ فلما كانت الليلة القابلة سمعوه يقول:
فيا سعد - سعد الأوس - كن أنت ناصرا ... ويا سعد - سعد الخزرجين - الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منة عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان: هذا والله سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ.
الهجرة إلى المدينة
الهجرة إلى المدينة وأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - للمسلمين في الهجرة إلى المدينة. فبادروا إليها. وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة. ولكنها حبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها. ثم خرجت بعد هي وولدها إلى المدينة.
ثم خرجوا أرسالا، يتبع بعضهم بعضا. ولم يبق منهم بمكة أحد إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعلي - أقاما بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لهما - وإلا من احتبسه المشركون كرها. PageV01P127
وأعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج. وأعد أبو بكر جهازه.
[تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم]
تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة: عرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس فخافوا خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فيشتد أمره عليهم. فاجتمعوا في دار الندوة. وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد.
فتذاكروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فأشار كل منهم برأي والشيخ يرده ولا يرضاه إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه برأي ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما جلدا. ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل. فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق ديته.
فقال الشيخ: لله در هذا الفتى. هذا والله الرأي. فتفرقوا على ذلك.
فجاء جبريل فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم - بذلك. وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة.
«وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر نصف النهار - في ساعة لم يكن يأتيه فيها - متقنعا، فقال: " أخرج من عندك " فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: " إن الله قد أذن لي في الخروج " فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. قال: " نعم " فقال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت وأمي - إحدى راحلتي هاتين فقال: بالثمن» .
وأمر عليا أن يبيت تلك الليلة على فراشه.
واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها؟ فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عليهم. فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على رءوسهم وهو يتلو {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] (1) وأنزل الله {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] (2) .