بين سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك وأنهم إنما سألوه تعنتا، فقال عن المشركين {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} [الأنعام: 7]- الآية (2) .
وقال عن أهل الكتاب {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} [النساء: 153]- إلى قوله - {ميثاقا غليظا} [النساء: 154] (3) فهم - مع هذا - نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين. فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا، وتغليظ الأمر عليهم. كما قال تعالى {فبظلم من الذين هادوا} [النساء: 160] الآية (4) .
ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا، لم يعذب الله به أحدا من العالمين. وكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلا. وأظهر آيات كثيرة PageV01P110
لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض. إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال. كما قال تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} [القصص: 43] (1) بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون - من الكفر والمعاصي - يعذب الله بعضهم ويبقي بعضهم إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} [الأعراف: 168]- الآية (2) وقال {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113]- الآيتين (3) .
وكان من حكمته تعالى ورحمته - لما أرسل محمدا -صلى الله عليه وسلم - خاتم المرسلين - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال الله فيهم {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95]- الآيات (4) . والذي دعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم - أن يسلط عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد كما قال تعالى {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} [التوبة: 52]- الآية (5) . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود وتارة بغير ذلك.
فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش PageV01P111
وغيرهم. فإنه لو أهلكهم لبادوا، وانقطعت المنفعة بهم ولم يبق لهم ذرية تؤمن بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر فإن في ذلك ما يوجب عجزهم والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها، فلا تكاد تنصرف عنها. بخلاف عجزها عنها. فإنه يدعوها إلى التوبة كما قيل من العصمة ألا تقدر ولهذا آمن عامتهم. وقد ذكر الله في التوراة لموسى:
" إني أقسي قلب فرعون. فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي ".
بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم الله له وبكتابة التوراة له فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض. وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه. وفرعون كان جاحدا للصانع. فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله.
وأما بنو إسرائيل - مع المسيح - فكانوا مقرين بالكتاب الأول. فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى. ولم يكن محتاجا إلى جنس تقرير النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته. ومع هذا فقد أظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال. بل بين الله في القرآن أنها لا تنفعهم بل تضرهم. لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين. كما قال تعالى {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون - أتواصوا به} [الذاريات: 52 - 53]- الآية (1) PageV01P112