قصة عمه أبي طالب
ومن أشهر ذلك: قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقا له، مادحا لدينه، محبا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه. ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه. ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات - وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له - أنزل الله عليه: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] (2) . PageV01P034
فيا لها من عبرة ما أبينها! ومن عظة ما أبلغها! ومن بيان ما أوضحه! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع للحق، لأجل غرض من أغراض الدنيا.
قصته صلى الله عليه وسلم مع قريش لما قرأ سورة النجم
ومما وقع أيضا: قصته صلى الله عليه وسلم معهم - لما قرأ سورة النجم بحضرتهم - فلما وصل إلى قوله: {أفرأيتم اللات والعزى - ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19 - 20] (1) ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وتلقاها الصغير والكبير منهم، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق، المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتها عنده. فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف.
واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه. وشاع الخبر: أنهم صافوه، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا بالبحر راجعين لظنهم أن ذلك صدق. فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خاف أن يكون قاله. فخاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] إلى قوله {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] (2) . PageV01P035
فمن عرف هذه القصة (1) وعرف ما عليه المشركون اليوم وما قاله ويقوله علماؤهم، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه، وهو الشرك الأكبر: فأبعده الله. فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طبع الله على قلبه وسمعه. وجعل على بصره غشاوة، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} [الأحقاف: 26] (2) الآية.