وفي الصحيح: «أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار، وهم يبكون. فقالا: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا. فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبره بذلك. فخرج، وقد عصب على رأسه بحاشية برد. فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار خيرا. فإنهم كرشي وعيبتي. وقد قضوا الذي عليهم. وبقي الذي لهم. فاقبلوا من محسنهم. وتجاوزوا عن مسيئهم» .
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مروا أبا بكر، فليصل بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله، أنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول. فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان. فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر» .
موت رسول الله صلى الله عليه وسلم
موت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزهري: حدثني أنس، قال: «كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس، وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام على باب عائشة. فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم - فرحا به، حين رأوه، وتفرجوا عنه - فأشار إليهم: أن اثبتوا على صلاتكم، قال: وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا، ولما رأى من هيئتهم في صلاتهم. وما رؤي أحسن منه هيئة تلك الساعة. قال: ثم رجع، وانصرف الناس، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه. وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم» .
قال ابن إسحاق: قال الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر. فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات. ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حين، كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات. قال: وأقبل أبو بكر، حتى نزل على باب المسجد. حين بلغه الخبر - وعمر يكلم الناس - فلم يلتفت إلى شيء، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت، عليه برد حبرة. فأقبل حتى كشف عن وجهه. ثم أقبل عليه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك: فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم رد البرد على وجهه. وخرج
- وعمر يكلم الناس - فقال: على رسلك يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم. فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس. فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه، وتركوا عمر. فحمد الله تعالى، وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس، أنه من كان يعبد محمدا. فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله تعالى، فإن الله حي لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية؛ {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] » الآية (1) .