وفود العرب إلى رسول الله
وفد بني تميم
وفود العرب إلى رسول الله ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وأسلمت ثقيف. ضربت إليه أكباد الإبل، تحمل وفود العرب من كل وجه، في سنة تسع. وكانت تسمى: سنة الوفود.
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك: أن قريشا كانوا إمام الناس وهداتهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل عليه السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت PageV01P234
قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش. عرفت العرب: ألا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا. كما قال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح - ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 1 - 3] (1) .
وفد بني تميم فقدم عليه عطارد بن حاجب التميمي، في أشراف من بني تميم، جاءوا في أسرى بني تميم، الذين أخذتهم سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم من هذه السنة. وكان عيينة قد أخذ أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيا. وساقهم إلى المدينة. فقدم رؤساء بني تميم فيهم. فلما دخلوا المسجد، نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات - وهو في بيته - أن اخرج إلينا. فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله فيهم: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون - ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} [الحجرات: 4 - 5] (2) .
فلما خرج إليهم قالوا: جئنا لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " أذنت لخطيبكم " فقام عطارد. فخطب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس: " قم، فأجب الرجل " فقام ثابت فخطب وأجابه. وقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام , فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع PageV01P235
وكم قسرنا من الأجياد كلهمو ... عند النهاب , وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع (1) .
إلى أن قال: -
إنا أبينا , ولا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
في أبيات ذكرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: " قم، فأجب الرجل " فقام، فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننا للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله , وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية , تلك منهم غير , محدثة ... إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهمو ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع PageV01P236
إلى أن قال: -
لا يبخلون على جار بفضلهمو ... ولا يمسهمو من مطمع طبع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
إلى أن قال: -
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب , ووازره ... فيما أحب: لسان حائك صنع
وقال الزبرقان أيضا: -
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا احتفلوا عند احتضار المواسم
فإنا ملوك الناس في كل موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم (1)