تتمة: اختلف في وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، أما في الصلاة فالصحيح من المذهب أنها ركن، وأما خارج الصلاة فتستحب بتأكد على الصحيح، وتتأكد عند ذكره ويوم الجمعة وليلتها، وقيل تجب كلما ذكر اسمه، اختاره ابن بطة من الحنابلة وقال به المصنف واختاره أيضا الحليمي من الشافعية والطحاوي من الحنفية واللخمي من المالكية.
فائدة: تجوز الصلاة على غير الأنبياء منفردا على الصحيح من المذهب، نص عليه. PageV01P017
وعلى آله وأصحابه السادة الأعلام.
وبعد: فهذا مختصر في الفقه على مذهب إمام الأئمة ومحيي السنة والصابر في المحنة الزاهد الرباني والصديق الثاني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
(وعلى آله) أي أتباعه على دينه، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وقيل أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وقيل أهله (وأصحابه) وهم الذين اجتمعوا به مؤمنين وماتوا على ذلك، وتبطل صحبته وسائر أعماله بردته إن مات عليها. (السادة) جمع سيد وتقدم الكلام عليه (الأعلام) جمع علم بفتحتين وهو في اللغة العلامة أو الجبل، وإطلاقه على الآدمي من المجاز
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر استحبابا في الخطب والمكاتبات، لفعله عليه السلام وأمره، (فهذا) إشارة إلى ما تصوره في ذهنه وأقامه مقام الموجود بالعيان من الألفاظ الدالة على المعاني (مختصر) أي موجز، وهو ما قل كلامه وكثرت معانيه، قال علي رضي الله عنه: خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل (في الفقه) وهو لغة الفهم، وعرفا معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل أو بالقوة القريبة، وقيل الأحكام نفسها. والفقيه من عرف جملة غالبة منها كذلك (على مذهب) مفعل، وهو في الأصل مصدر يصلح لمكان الذهاب وزمانه وللذهاب نفسه، ثم نقل إلى ما قاله الإنسان بدليل ومات قائلا به (إمام الأئمة) أي قدوتهم، (ومحيي) أي ناصر (السنة، والصابر في المحنة، الزاهد الرباني والصديق الثاني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل) ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان -بالياء المثناة- بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب -بكسر الهاء وسكون النون ثم بالموحدة- ابن أفصى بالفاء والصاد المهملة ابن ذهل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الشيباني) رضي الله عنه، نسب لجده شيبان المذكور، حملت به أمه بمرو، وولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ونشأ بها وأقام بها إلى أن توفي. ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة. قال الحافظ ابن عساكر: كان شيخا شديد السمرة مخضوبا بالحناء وقيل ربعة. سمع سفيان بن عيينة وإبراهيم ابن سعد ويحيى القطان وهشيما ووكيعا وخلائق كثيرين، وروى عنه عبد الرزاق PageV01P018 # سقى الله ضريحه صوب الرحمة والغفران، وحشره مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء في دار الأمان،
ويحيى بن آدم وأبو الوليد والبخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة الرازي الدمشقي وخلائق كثيرون، وعن الشافعي رضي الله عنه قال: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أحدا أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل. وعن الربيع بن سليمان قال قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في الفقراء، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة، وعن عبد الوهاب الوراق قال: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأي شيء بان لك من فضله وعمله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال حدثنا وأخبرنا، وعن علي بن المديني أنه قال: إن سيدي أحمد بن حنبل أمرني أن لا أحدث إلا من كتاب. وروي عنه أيضا أنه قال: إن الله عز وجل أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة. وعن إسحاق بن راهويه أنه قال: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه. وقال أيضا: لولا أحمد بن حنبل وبذله نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام. وعن بشر بن الحارث أنه قيل له حين ضرب أحمد بن حنبل: يا أبا نصر لو أنك خرجت فقلت إني على قول أحمد بن حنبل، فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء. وكان أعلم أهل زمانه، وقد صنف في مناقبه من المتقدمين والمتأخرين جماعة كابن منده والبيهقي وشيخ الإسلام الأنصاري وابن الجوزي وابن ناصر وغيرهم، اشتهرت مناقبه وسيادته وبراعته وزهادته، ومجموع محاسنه كالشمس، إلا أنها لا تغرب، (سقى الله ضريحه صوب) أي غيث (الرحمة والغفران، وحشره مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء في دار الأمان). صنف المسند: ثلاثون ألف حديث، والتفسير مائة وخمسون ألفا، وقال في المطلع: مائة ألف وعشرون ألفا، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، وحديث شعبة، والمقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات القرآن، والمناسك الكبير والصغير وأشياء أخر، وليس هذا بيان مناقبه.