----NO PAGE NO------ PageV00P097 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P002
مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الحديث لمعرفة أدلة الأحكام، ونضر وجوههم في القديم والحديث، فصاروا في الملة كمصابيح الظلام، وأراد بهم خيرا إذ فقههم في الدين، وألهمهم رشدهم وشحذ منهم الأفهام، وسلك بهم المحجة البيضاء، وبتك بهم أهل البدع، فماتوا غما وغيظا، وأرغم منهم المعاطس وعالت بهم الآلام.
فكم من بدعة لهم زيفوها، وضلاله لهم هيفوها، وزلة كشفوها, ولم يبلغوا في الدين المرام، وكم من سنة أظهروها، وحكمة حرروها، ومحدثة بوروها، وشرعة طهروها، وجلوا عنها بالبراهين الواضحة القتام، وكم رموا بسهام شهبهم الثاقبة مردة شياطينهم الراقبة فانخنسوا بشبههم اللاغبة في مهاوي هواهم ومخازي الظلام، فهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجا، وحصن لمن التجا، وقدوة الأنام، قد بذلوا نفوسهم النفيسة، لغسل وجه السنة من كل بدعة ودسيسة، وفتشوا عن كل علة وتدليسة، وزلة محدثة وخصلة خسيسة، حتى ضحكت بهم السنة، وأسفرت بالابتسام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا ند ولا وزير ولا مشير، تعالى الله وتقدس عما يقول الطعام، شهادة أدخرها لديه ليوم تعض فيه البنان، وتعبس فيه الوجوه، وتزل فيه الأقدام، وأشهد أن محمدا PageV01P003 # عبده ورسوله وحبيبه وخليله، صفوة العالم وخلاصة بني آدم، وأفضل من حج وجاهد وزكى وصلى وصام، بعثه الله على حين فترة من الرسل ووحشة من الدين، وقد طبق الكفر الأنام.
فاليهود قد لهجوا بالمكر والتخليق، ونسبة الباري لما لا يليق، حتى يناجون الله الحي القيوم في صلواتهم بقولهم: تنبه يا نوم (¬1)، ومن مثل هذه الخرافات التي تنبو عن سماع مثلها الأفهام، وأعلنوا بنسبة الأنبياء والمرسلين والعظماء والصديقين إلى ما نزه الله مناصبهم العلية، وعصمهم من كل زلة وأذية، ومعضلة وبلية، وطهرهم على الدوام.
والنصارى مع كفرهم الخبيث، دانوا بالشرك والتثليث، وكلا الطائفتين بدلوا وحرفوا، وضلوا وأضلوا، وانحرفوا عن الصراط المستقيم إلى طرق الضلال والظلام.
وبقية الناس كانوا حينئذ من بين عابد كوكب، ومن بين عابد جني ونار تلهب، فكل حزب قد اتخذ إلهه هواه من الأوثان والأصنام.
فجاء هذا النبي الكريم، بالكتاب والحكمة والدين القويم، وهدى الخلق إلى الصراط المستقيم، وبين لكل فريق أن ما هم عليه أضغاث أحلام، لا بل ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها لشدة الظلمة وظلمة الأوهام، فجاهد في الله حق جهاده، ومهد قواعد الدين على وفق مراده، ودخل الناس في دين الله أفواجا بعد السبي والسلب والقتل والضرب والإقدام والإحجام، فانقشع ظلام الكفر وذلت أكباشه، وانصدع ركن التثليث وولت أوباشه، وتلألأ نور هدي في قلوب ذوي الاهتداء، واستعلن الحق من "فاران" وطبق الأغوار والأنجاد، والسهول PageV01P004 # والآكام، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وأنصاره وأضرابه وأصهاره وأحبابه، ما شفى ترياق الهدى مريض الهوى، وانمحق بمصابيح الاهتداء غياهب الظلام.
أما بعد:
فهذا شرح لطيف على "عمدة الأحكام"، تصنيف الإمام الحافظ المتقن العلامة الهمام محيي السنة أبي عبد الله عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المقدام، سألنيه بعض أصحابي بعد قراءته لها علي مع جماعة من ذوي الأفهام، فتعللت بأنها قد شرحها جماعة من الأئمة الأعلام؛ كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والعلامة ابن الملقن، وغيرهما من كل حافظ قمقام، فما عبوري بين تلك البحور بهذه البلالة التي لا تطفىء صدى الأوام، وما ظهوري بين تلك الشموس بهذه الدبالة التي لا ظهور لها إلا في حنادس الفحام، وهل أنا إلا مثل جالب جزيرة من البقل في سوق الجواهر والعطر، وكالأبكم العجمي يبدي فصاحة لدى العرب العرباء من ضئضئ النضر.