[مطلب: في بيان أقوال السادة الصوفية في السماع إلى الغناء]
مطلب: في بيان أقوال السادة الصوفية في السماع
(الثالث) : أباحت السماع الصوفية وأتوا على إباحته بأدلة غير وفية. فمنهم من عده من المباحات، ومنهم من جعله من القربات.
وعلى كل حال لم يروا به بأسا، ولم يرفعوا لمخالفيهم في ذلك أسا، وأنكروا على مانعه أصلا وفرعا، وجعلوه أنه خالف الأصل حقيقة وشرعا قالوا ويلزم من حظر الغناء تخطئة طائفة من الأولياء، وتفسيق كثير من العلماء، إذ لا خلاف
أنهم سمعوا الغناء وتواجدوا، وأفضى بهم إلى الصراخ والغشي والصفق وعربدوا.
وفصل بعضهم تفصيلا حسنا بحسب العقل، لو ساعده القياس والنقل، فقال من صح فهمه، وحسن قصده، وصقلت الرياضة مرآة قلبه، وجلت نسمات العزيمة فضاء سره، فصفا من تصاعد أكدار أرض طبعه، وبخار بشريته، وخيلان وسواسه، وعري من حضوض الشهوات، وتطهر من دنس الشبهات، فلا نقول: إن سماعه حرام، وفعله ذلك خطأ.
قال أبو طالب المكي قدس الله روحه: من طعن في السماع فقد طعن في سبعين صديقا وسئل الشبلي عن السماع فقال ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة حل له السماع وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية، وذلك لأن السماع مهيج ما في القلوب محرك ما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله تعالى صافية من كدر الشهوات، محترقة بحب الله ليس فيها سواه، فالشوق والوجد والهيجان والقلق كامن في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها.
فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم، فيستثيره بصدمة طروقه وقوة سلطانه، فتعجز القلوب عن الثبوت عن اصطدامه، فتبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات لثوران ما في القلوب، لا أنه يحدث فيها شيئا. قال أبو القاسم الجنيد قدس الله سره: السماع لا يحدث في القلب شيئا وإنما هو مهيج ما فيه فتراهم يهيجون من وجدهم، وينطقون من حيث قصدهم، ويتواجدون من حيث كامنات سرائرهم، لا من حيث قول الشاعر ومراد القائل، ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما يتخيله الذهن.
وشاهد ذلك كما حكي أن أبا حكمان الصوفي سمع رجلا يطوف وينادي (يا سعتربري) فسقط وغشي عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال سمعته وهو يقول اسع تر بري، ألا ترى أن حركة وجده من حيث هو فيه من وقته لا من حيث قول القائل ولا قصده كما روى بعض الشيوخ أنه سمع قائلا يقول: الخيار عشرة بحبة، فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار فالمحترق بحب الله لا تمنعه الألفاظ الكثيفة، عن فهم المعاني اللطيفة، فلم يكن واقفا مع نغمة ولا مشاهدة صورة.
فمن ظن أن السماع يرجع إلى
رقة المعنى وطيب النغمة فهو بعيد عن السماع. قالوا وإنما السماع حقيقة ربانية، ولطيفة روحانية، تسري من السميع المسمع إلى الأسرار، بلطائف التحف والأنوار، فتمحق من القلب ما لم يكن، ويبقى فيه ما لم يزل، فهو سماع حق بحق من حق.
قالوا وأما الحال الذي يلحق المتواجد، فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد، وذلك لازدحام أنوار الطائف في دخول باب القلب، فيلحقه دهش فيبعث بجوارحه، ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة.
وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات، وأما أهل النهايات فالغالب عليهم السكون والثبوت لانشراح صدورهم، واتساع سرائرهم الوارد عليهم، فهم في سكونهم متحركون، وفي ثبوتهم متقلقلون، كما قيل لأبي القاسم الجنيد - رضي الله عنه -: ما لنا لا نراك تتحرك عند السماع؟ فقال {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل: 88] ويحكى أنه سئل عن السماع ولأي شيء يكون الرجل ساكنا قبل السماع، فإذا سمع اضطرب وتحرك؟ فقال: السماع خطاب الروح من الميثاق الأول حين قال {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] فسمع حين سمع لا حد ولا رسم ولا صفة إلا المعنى الذي سمع حين سمع، فبقيت حلاوة ذلك السماع فيهم، فلما أخرجهم وردهم إلى الدنيا ظهر ذلك فيهم، فإذا سمعوا نغمة طيبة وقولا حسنا طارت هممهم إلى ذلك الأصل، فسمعوا من الأهل، وأشاروا إلى الأصل.