وفي الصحيح في حديث أم هانئ فقلت أنا أم هانئ.
ولذا قال النووي وغيره: ولا بأس أن يقول أنا الشيخ فلان أو القارئ فلان أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك.
وإنما علة الكراهة لعدم حصول الفائدة بقوله: أنا فإنه ما زاد على أن ثم على الباب إنسانا، وذلك حاصل بالاستئذان.
(الثالثة) : ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف لنسبة فاعل ذلك عرفا إلى قلة الأدب، لا سيما إن كان رب المنزل شيخه، ولذا كانوا يقرعون بيوت الأشياخ بالأظافر.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس «أن أبواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت تقرع بالأظافر» . وأخرجه الحاكم في علوم الحديث من حديث المغيرة بن شعبة وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، وأما من بعد عن الباب فيقرع بحسب ما يحصل به المقصود.
مطلب: في جلوس الداخل حيث أجلسه رب المنزل
(الرابعة) : إذا دخل يجلس حيث أجلسه رب المنزل، وقيل: بل حيث انتهى منه كذا في الرعاية. وفي الآداب الكبرى: وحاصل ذلك وتحقيقه: أنه إن أمره صاحب المنزل بالجلوس في مكان منه لم يجز أن يتعداه؛ لأنه ملكه وسلطانه وتكرمته.
ولهذا لو لم يأذن في الدخول لم يجز، ولو أمره بالخروج لم يجز له المقام فيه. وهذا واضح.
وإن لم يأمره بالجلوس في مكان منه فهل يجلس وأين يجلس، ينبغي أن ينظر إلى عرف صاحب المنزل وعادته في ذلك، فلا يجوز أن يتعداه، يعني عرفه وعادته؛ لأنه خاص فيقيد المطلق كالكلام.
فإن خالف صاحب المنزل عادته بأن أمره أو أذن له في شيء وافقه إن ظن ذلك منه ظاهرا وباطنا، وكذا إن شك، حملا لحال المكلف على الصحة والسلامة أجابه.
وإن ظن أنه فعل معه ذلك ظاهرا لا باطنا لمعنى من المعاني لم يجبه؛ لأن المقاصد معتبرة. ثم يجلس فيما يظن إذنه فيه ظاهرا وباطنا. ويعمل في ذلك بالقرائن والأمارات وظواهر الحال.
فإن لم يكن له عرف ولا عادة فالعرف والعادة في ذلك الجلوس بلا إذن خاص فيه لحصول الإذن فيه بإذن في الدخول. ثم إن شاء جلس أدنى المجلس لتحقق جوازه مع سلوك الأدب، وهذا أولى.
وإن شاء عمل بالظن في جلوسه فيما يأذن فيه صاحب المنزل، وهو أقرب إلى عوائد الناس. ودخل ابن يزيد النحوي على ابن سيرين بنية زائر له فوجده جالسا بالأرض إلى وسادة قال فقلت له إني قد رضيت لنفسي ما رضيت لنفسك، فقال: إني لا أرضى لك في بيتي بما أرضى به لنفسي فاجلس حيث تؤمر.
(الخامسة) : يكره للرجل أن يجلس في وسط الحلقة. قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل إذا كان في الحلقة فجاء رجل فقعد يتأخر يعني يكره أن يكون وسط الحلقة. لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال في الآداب الكبرى: ويتوجه تحريم ذلك؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - «لعن من جلس وسط الحلقة» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. قال في النهاية: لأنه إذا جلس في وسطها استدبر بعضهم بظهره فيؤذيهم بذلك ويسبونه ويلعنونه.
(السادسة) : ليس له أن يفرق بين اثنين فيجلس بينهما إلا بإذنهما لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا «لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما» وفي رواية «لا يحل لرجل يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» رواها أبو داود وهما حسنان كما ذكره ابن مفلح، وروى الثاني الترمذي وحسنه والله أعلم.